السبت، 11 أبريل، 2009

tisalat fabor


الجمعة، 10 أبريل، 2009


السعادة
إعداد : عبد العزيز بوراس
تـقـديـــم:
ليس يخفى، أن الفلسفة تنقسم إلى ثلاثة مباحث كبرى وهي : مبحث المعرفة ومبحث الانطولوجيا ومبحث القيم . ويطرح كل واحد من هذه المباحث جملة مفاهيم وإشكالات. ومن بين جملة تلكم المفاهيم التي يطرحها مبحث القيم، نلفي مفهوم" السعادة ". فما هي دلالة هذا المفهوم ؟
الدلالة المتداولة:
يتباين الناس في تمثلهم للسعادة، فمنهم من يرى السعادة في الصحة ، ومنهم من يراها في المال، ومنهم من يراها في الصداقة، ومنهم من يراها في راحة البال، ومنهم من يراها في تلبية كاملة للرغبات، وتحقيق المتعة في شتى أشكالها … والعلة في اختلاف الناس في تمثلهم للسعادة هو جانب النقص الذي يعاني منه كل إنسان، فالفقير يرى السعادة في المال، والمريض يرى السعادة في الصحة، والأعزب يرى السعادة في الزواج وهكذا…
هذا، ويلفت الانتباه في تمثلات الناس للسعادة، أنه يغلب عليها الجانب المادي الذي يقترن بما هو إرضاء للحواس.
الدلالة اللغوية :
أ‌- لسان العرب : ابن منظور
جاء في" لسان العرب" : سعد السعد بمعنى اليمن، وهو نقيض النحس. والسعود خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة . ونقول سعد يسعد سعدا وسعادة فهو سعيد ، نقيض شقي والجمع سعداء .
ويشتق من نفس الجدر ثلاثة ألفاض تشترك في نفس المعنى وهي : الساعد والسعدان والسعد.
فلفظ الساعد يدل أولا، على ساعد الإنسان أو الطير أو القبيلة : فساعدا الإنسان ذراعاه ، وساعدا الطائر جناحاه ،وساعد القبيلة رئيسها. ويدل ثانيا، على مجرى المياه ، فسعيد المزرعة نهرها الذي يسقها. ويدل ثالثا ، على مخرج اللبن في الناقة . أما لفظ السعدان فيدل على نبات ذي شوك من أطيب مراعي الإبل. وأما لفظ السعد فيدل على الطيب ذي الرائحة الزكية.
إن ما يمكن استنتاجه من هاته الدلالات هو :
أولا : اقتران السعادة بالإرضاء و الارتواء. فالنهر الذي يسقي المزرعة يرويها، ولبن الناقة يروي ويشبع صغيرها، ومنبت شوك النخل يشبع جوع الإبل، والطيب يشبع النفس برائحته العطرة.
ثانيا : اقترانها بالعضوين اللذين يدبران الجسد، وهما: الساعدان.
ومن هنا يكتسب اليمن دلالتين :
الأولى : تشير إلى ما هو مادي محسوس، وتتمثل في الإرضاء والإشباع.
الثانية : تومئ إلى ما هو عقلي، وتتمثل في التدبير، فعمدة المدينة وساعدها هو رئيسها وعقلها المدبر لشؤونها والمسير لها نحو ما هو أفضل لها. ولا يمكن في هذا السياق تصور سعادة بدون تعاون واجتماع.
يتضح من كل ما سبق، أن التعريف اللغوي للسعادة قد وسع من دلالتها، بشكل جعلها تنفتح على عنصر لا مادي، من طبيعة عقلية واجتماعية وسياسية تتعلق بالتفكير والتدبير.
الدلالة الفلسفية :
أ- المعجم الفلسفي : جميل صليبا [1]
السعادة هي الرضا التام بما تناله النفس من الخير. والفرق بينها وبين اللذة أن السعادة حالة خاصة بالإنسان، وأن رضا النفس بها تام. إذ من شرط السعادة أن تكون ميول النفس كلها راضية مرضية، وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تاما ودائما. في حين أن" اللذة " حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأن رضا النفس بها مؤقت .
وإذا كانت السعادة هي حالة إرضاء وإشباع وارتياح تام للرغبات يتسم بالثبات، فانه متى سمت إلى مستوى الرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر، أصبحت غبطة . و إن كانت هذه أسمى وأدوم.
وللفلاسفة في حقيقة السعادة آراء مختلفة: فمنهم من يقول إن السعادة هي في إتباع الفضيلة (أفلاطون)، ومنهم من يقول إنها في الاستمتاع بالملذات الحسية المدرسة (القورينائية)، أما أرسطو فانه يوحد الخير الأعلى و السعادة ، ويجعل اللذة شرطا ضروريا للسعادة لا شرطا كافيا. وعين الأمر يقول به أبيقور الذي اعتبر اللذة هي غاية الحياة ، وان كان هو يقيم فروقا بين اللذات. أما الرواقيون فإنهم يرجعون السعادة إلى الفعل الموافق للعقل، وهي- أي السعادة- في نظرهم غير ممتنعة عن الحكم ، وان كان طريقها محفوفا بالألم .
ب‌- موسوعة لالاند الفلسفية : أندريه لالاند [2]
السعادة هي حالة رضا تام تستأثر بمجامع الوعي .
السعادة هي إرضاء كل الميول وإشباعها.
يتبدى لنا من كل ما سبق، أن مفهوم السعادة تتداخل فيه دلالات متباينة قاموسية وفلسفية وتمثلية .كما يلوح لنا أن هذا المفهوم تتقاطع فيه حقول مختلفة بيولوجية واجتماعية وسياسية وميتافيزيقية وسيكولوجية . فضلا عن أنه يتاخم جملة من المفاهيم الفلسفية الأساسية: كاللذة و الألم والفضيلة والخير الأعلى والعقل والنفس والسياسة والعدالة والخيال و الفطرة و المحاكاة و الواجب والغير و الإرادة …
هذا، ويطرح مفهوم السعادة جملة من الإشكالات من أهمها : ما هي السعادة؟ هل طلب السعادة غاية كل الناس ؟ ولماذا ؟ هل نطلب السعادة من أجل ذاتها أم من أجل أشياء أخرى ؟ ولماذا؟هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وبأية وسائل ؟ ما هي علاقة السعادة بالواجب ، هل هي علاقة تكامل أم علاقة إعاقة ؟ بمعنى أخر هل تكمن السعادة أساسا في أن نفعل ما نريد أم في انصياعنا للواجب والقانون ؟ هل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير أم هما معا ؟
كل هذه الإشكالات التي أثارها مفهوم السعادة و أخرى، سنحاول التعرف على إجابتها من خلال نصوص بعض الفلاسفة الذين تناولوا هذا المفهوم تحديدا واستشكالا…
المحور الأول : تمثلات السعادة
تـقــديــــم :
يختلف الناس و الفلاسفة على السواء في تمثلهم للسعادة. فالعوام يربطونها بالثروة و الجاه و النفوذ و تحقيق المتعة في شتى أشكالها و عموما يمكن القول أن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة الجسدية. أما الفلاسفة فهم أيضا يختلفون في تمثلهم للسعادة ،فمنهم من يراها في علاقتها بالفضيلة و التأمل العقلي و منهم (فلاسفة الإسلام) من حاول التوفيق بين التأمل العقلي و ما هو ديني أي السعادة الاخروية ، و هناك من يرى أن كل هذه التمثلات حسية و جزئية ، أما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة نكون محتاجين إلى " كل مطلق ". و هناك من الفلاسفة من يعتبرها فردية و منهم من يعتبر أن السعادة لا تكون إلا داخل دولة . و آخرون يقولون بأنه من المستحيل أن نستدل على وجود السعادة بل يجب أن نعمل على تحصيلها فهي ممارسة .
أمام هذا التعدد في تمثل السعادة نجد انه لابد من طرح بعض الإشكالات : *هل السعادة ممكنة ؟
* هل يمكن أن نستدل على وجودها ؟
*هل هي غاية كل الناس ؟
*هل يمكن بلوغها ،و بأية وسائل ؟
*هل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى ؟
الموقف الأرسطي :
إن الغاية من السياسة باعتبارها ،هي تحقيق الخير الأسمى الذي هو السعادة و هذا النعت للخير الأسمى بالسعادة يشترك فيه كل من العامي و الفيلسوف «فالعامي كالناس المستنيرين يسمي هدا الخير الأسمى سعادة»[3] إلا انه و على الرغم من هدا الاتفاق فإننا نجد أن هناك بونا شاسعا في تمثل المفهوم بين العامي و الفيلسوف و« انقسام الآراء هذا مرده إلى الاختلاف بشان طبيعة السعادة و أصلها» [4] فمتمثلات السعادة لدى الطبائع العامية تختلف من شخص لآخر فالمريض يراها في اكتساب الصحة ، والمعوز في اكتساب المال و العاشق يراها في الزواج من معشوقته . « إنها ليست إلا شيئا نافعا و مطلوبا لأشياء أخرى غير ذاتها» .[5]
أما الفيلسوف فهو يرى عكس ذلك فالسعادة عنده هي غاية بل غاية الغايات و هي تطلب لذاتها «ينبغي وضع السعادة بين الأشياء التي تختار من اجل ذاتها إذ هي قائمة بذاتها» [6] و كل الأشياء الأخرى إنما تطلب كوسيلة لتحقيقها« كل ما يمكن تصوره إنما يطلب من اجل ما عداه إلا السعادة إذ هي غاية بحد ذاتها » [7]
وعموما يمكن القول أن التمثل العامي يختلف عن تمثل الحكماء دلك أن التمثل العامي يغلب المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة و اللذة لدلك يرى أرسطو انه« لا يوجد ..إلا ثلاثة صنوف من العيشة يمكن على الخصوص تمييزها .أولها هده العيشة التي تكلمنا عليها انفا (عيشة العوام) ،ثم العيشة السياسية أو العمومية ،و أخيرا العيشة التأملية و العقلية» و يرتبط بكل نوع من هده العيش ثلاث أنواع من السعادة، فأما العيشة الحسية وهي سعادة اللذة الجسدية ، لذة الطعام والشراب والجنس وهي لذة يشترك فيها الإنسان والحيوان ، وهي سعادة وقتية ولو طلبت لذاتها لأدى ذلك الإسراف فيها ، ثم إلى فقد الإحساس باللذة ثم تنتهي إلى الألم والمرض ، فتحققها ليس من السعادة بشيء ، أما الثانية فهي السعادة السياسية مطلوبة من الكثير من الناس ، ولكنهم ما يلبثوا أن يشعروا بالتعاسة عندما يفقدوا مراكزهم ، ويعرفوا أن الناس كانوا يعظمونهم لأجل الوظائف التي يمثلونها وليس لأشخاصهم ، كأن هذه السعادة وقتية وهي متوقفة على الناس يمنحونها ويسلبونها وفقاً للمركز الشخصي لا للقيمة الذاتية ، إذاً هي ليس خير في حد ذاتها وليس دائمة فقد يعقبها الإهمال والتحقير . السعادة الثالثة هي السعادة العقلية فهي التي ترمي إلى تحقيق الفضيلة باعتبار أنها العمل بمقتضى الحكمة ، والحكمة ملكة عقلية تكتسب بالتمرين والتعود على طلب الحق والخير الصحيح وفضائل الحكمة عملية ونظرية ، وتبين لنا الحكمة العملية أن الفضيلة قوة تكتسبها عن طريق ممارسة أعمال تتوفر فيها الإرادة الحرة والمعرفة والنزوع إلى الخير . وإذا بحثنا عن الفضائل نجد أنها تقع في الوسط ما بين المغالاة " الإفراط " والتقصير "التفريط " مثل الشجاعة وسط بين رذيلتين هما التهور والجبن ، والكرم وسط بين الإسراف والبخل والعدل وسط بين المحاباة والظلم ، وتحكم العقل والإرادة في تعيين الفضيلة يتم عن طريقهما الممارسة الواقعية للفضيلة ، فإذا عود الإنسان نفسه أن يتلمس الفضيلة دائماً ويقوم بها فإنها تصبح طبيعة فيه يتجه إليها من دون تردد وبذلك تتحقق له السعادة .
موقف ابن مسكويه :
يحاول ابن مسكويه تقديم التمثلات السائدة عن السعادة لدى كل من الحكماء و العوام و هو اد يُفصل في هدا فيقول إن الحكماء من أمثال فيتاغورس و بقراط و أفلاطون لما قسموا السعادة جعلوها كلها في قوى النفس ،أي القوى الثلاث : القوة الغضبية،القوة الشهوانية ،و القوة العاقلة القوة الشهوانية التي تحرك الإنسان إلى ما يشتهيه أو يجذبه من الملذات والخيرات. والقوة الغضبية التي تحركه إلى "الغضب" عدوانا أو دفاعا أو نجدة. والقوة الناطقة العاقلة وهي التي يحصل بها التمييز والروية والتفكر. ولكل من هذه القوى فضيلتها: ففضيلة النفس الشهوانية العفة، وفضيلة النفس الغضبية النجدة، وفضيلة النفس العاقلة الحكمة. ومن اعتدال هذه الفضائل الثلاث ومن نسبة بعضها إلى بعض تحدث فضيلة رابعة هي كمالها وتمامها وهي العدالة و اجمعوا على أن« هده الفضائل هي كافية في السعادة و لا يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن و ما هو خارج البدن»[8] و بالتالي فالسعادة عندهم هي سعادة نفس و« سائر الأشياء الخارجة عنها ،فليست عندهم بقادحة في السعادة البتة»[9]
أما الرواقيون فجعلوا السعادة في النفس غير مكتملة إذا لم تقترن بالجسد أو حتى ما هو خارج الجسد هدا بخلاف المحققين من الحكماء الدين لا يربطون السعادة بما هو خارج الجسد فيعتبرونها تابثة لا تتغير و لا يلحقها زوال و لاتغيير .
أما العامة فتختلف طبائعهم في تمثل السعادة بحسب حاجياتهم ،فالمريض يراها في اكتساب الصحة ، والمعوز في اكتساب المال والغريب في العودة لوطنه و عموما يمكن القول إن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة و اللذة . و الحكماء يرون أن كل هذه التمثلات سعادة و لكن شريطة أن تكون «عند الحاجة و في الوقت الذي يجب و كما يجب و عند من يجب، فهده سعادات كلها، و ما كان منها يراد لشيء أخر ؛فلذلك الشيء أحق باسم السعادة »[10] فالمريض مثلا يجد السعادة فيما يحتاج إليه و هي الصحة .
موقف الفارابي :
لما كان المقصود من الوجود الإنساني بلوغ السعادة عن طريق إدراك المعقولات او المبادئ التي يتاسس عليها وجود الكون و الإنسان ثم كانت هده المعقولات لدى جميع الناس أصحاب الفطر السليمة و التي « يسعون بها نحو أمور و افعلا مشتركة لهم ؛ ثم بعد دلك يتفاوتون و يختلفون فتصير لهم فطر تخص كل واحد و كل طائفة »[11] لزم عن اختلاف الفطر عدم قدرة كل إنسان على أن يعلم من تلقاء نفسه السعادة و لا ان يعملها ،فوجب بدلك ضرورة وجود معلم أو مرشد يرشده إلى الكيفية التي تمكنه من ان يجعل السعادة غايته ثم « يعلم الأشياء التي ينبغي أن يعملها حتى ينال بها السعادة»[12] و تبعا لاختلاف الفطر جب على المعلم أن يسلك طرقا مختلفة باختلاف الطوائف و الأمم ،فقد يتم ذلك بطرقة نظرية خالصة (الخاصة) أو بطريقة تعتمد على المحاكاة كفن للتبليغ و التخييل (العامة).
الموقف الأفلاطوني :
ليست السعادة حسب أفلاطون شأنا شخصيّا بقدر ما هي قضيّة تتعلّق بالمدينة ككلّ وبالتّالي لا يمكن تحقيق الكمال إلاّ في مدينة محكمة التّنظيم. «إننا لم نستهدف في تأسيس دولتنا جلب السعادة الكاملة لفئة معينة من المواطنين و إنما كان هدفنا أن نكفل اكبر قدر ممكن من السعادة للدولة بأسرها »[13] السٌعادة بالنٌسبة لأفلاطون عندئذ هي سعادة المدينة ككلٌ والتي تتحقٌق بالانسجام بين جميع أطرافها وشرائحها، فكما يجب أن يوجد انسجام في الفرد بين النٌفس العاقلة والنٌفس الغضبيٌة والنٌفس الشهوانية. فإنٌ المدينة كذلك يجب أن تنقسم إلى حرٌاس يسيٌرون شؤونها العامٌة وجنود يسهرون على الأمن ورعيٌة تقوم بالأعمال الأخرى الضٌروريٌة مثل الفلاحة والصٌناعة….إلخ. أما إذا لم يحترموا هدا النظام فإننا « نحض حراسنا و حماتنا بالوعد أو نرغمهم بالوعيد كما نفعل مع غيرهم من المواطنين على أن يؤدوا على خير وجه ما يصلحون من الوظائف»[14] فبدلك تتحقق العدالة و تزدهر الدولة و بازدهار هده الأخيرة« وعندما تزدهر الدولة بأسرها... نترك لمكل طبقة أن تتمع بالسعادة على قدر ما تؤهلها لذلك الطبيعة » [15]
الموقف الكانطي :
يحاول كانط في كتابه " أسس ميتافيزيقا الأخلاق " و بالضبط في النص الماثل أمامنا أن يحدد العلاقة التي تربط السعادة بالعقل و الخيال . بمعنى هل نتمثل السعادة بالعقل أم بالخيال. و كمحاولة للإجابة عن هدا السؤال يرى كانط أن تصور السعادة لا يمكن أن يكون بالعقل بل بالخيال،كيف ذلك ؟ إن "جميع العناصر التي تؤلف تصور السعادة ..لزم أن تستعار من التجربة " إما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة نكون محتاجين إلى " كل مطلق " ما معنى ذلك؟
إن أمر السعادة ينصب على الوسائل الضرورية لانجاز هده الغاية ،ذلك لأنه ينجم تحليليا من الغاية التي يسعى إليها الإرادة ،تبعا للصيغة التي غدت قولا مأثورا :من يروم الغاية ،يروم الوسائل (تبعا للعقل)اللازمة للوصول إليها و التي هي في مقدوره و بالتالي فجميع العناصر التي تؤلف تصور السعادة هي في جملتها عناصر تجريبية ،أي انه يلزم أن تشتق من التجربة . أما عندما نريد أن نتحدث عن فكرة السعادة فإننا نحتاج إلى كل مطلق ،إلا أننا نجد انه من المستحيل للإنسان ككائن متناه ،محدود بحدود التجربة « أن يكون لنفسه تصورا محددا لما يبغيه هنا على الحقيقة »[16] هل يريد حياة طويلة ؟ فمن يضمن له إلا تكون شقاءا طويلا و بالتالي فمن الصعب عليه أن حدد كيف يكون سعيدا . فليس ثمة في هذا الشأن أمر يمكنه أن يقرر بالمعنى الدقيق للكلمة أن نفعل ما يجعلنا سعداء « دلكم لان السعادة هي مثل أعلى لا للعقل بل للخيال»[17] فلا يمكن انطلاقا من نتائج هي في الواقع لامتناهية أن نعطي تحديدا للسعادة .
موقف ( إميل شارتي) ألان :
يعتبر ألان أن الأمل في السعادة هو السعادة ،ألان أن الأمل في السعادة لا يعني أن ننتظر السعادة لتأتي الينا و صوبنا ،ولا يعني كذلك استحالة الحصول عليها او بلوغها ،و لا انها وهم ،بل يعني هدا أن " نعمل على تحصيلها الآن[18] دلك أن « السعادة ليست شيئا نطارده بل هي شيء نتملكه ،و خارج هدا التملك فهي ليست سوى لفظ» [19] إلا أن هدا التملك للسعادة مشروط بالرغبة في أن نكون سعداء ،لدلك يجب على المرء « أن يطلب سعادته و أن يصنعها »[20] إن ألان يؤكد هنا وخاصة في كتابه "PROPOS SUR LE BONHEUR" ان السعادة لا تتوقف على العالم الخارجي او المحيط بالشخص و إنما يتوقف على الشخص ذاته أي أن فعل السعادة لا يتحقق إلا بالإرادة .دلك أن تحقيق السعادة لا يتأتى إلا بالصراع ضد المعيقات التي تحول دون ذلك و لا يجب الاعتراف بالهزيمة طالما لم نتجاوز هذه المعيقات .*[21]

المحورالثاني : البحث عن السعادة.
تـقــديــــم :عبد العزيز بوراس
يطرح هذا المحور الثاني من درس السعادة،إشكالين اثنين رئيسيين وهما : بأي شكل تكون السعادة ممكنة ؟ أو بعبارة أخرى هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وإذا كان الجواب بالاجاب ، فما السبيل إلى تحقيقها ؟ وعن هذين الإشكالين الرئيسيين تتفرع جملة من الإشكالات الفرعية : هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟ ما علاقة السعادة بالزمن ؟ هل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟ وما علاقتها بالفنون والذوق؟…
موقف سينكا :
يطرح سينكا في هذا النص إشكال ماهي الكيفية أو الوسيلة التي من خلالها يمكننا تحقيق الحياة السعيدة ؟ فإذا كانت السعادة هي مبتغى الناس أجمعين في هذه الحياة ، فما هي الكيفية التي بواسطتها نستطيع أن نحصلها؟ بيد أنه لاحظ أنه بمجرد ما يطرح هذا السؤال حتى تختلط علينا الأمور. وحتى يزول هذا الخلط على الإنسان- في نظر سينكا- أن يحدد هدفه بكل دقة، ثم بعد ذلك ينظر في كل الاتجاهات عن السبيل الكفيل بأن يقوده إلى تحقيق هدفه بأقصى سرعة، هذا الطريق أو السبيل الذي ينبغي أن يكون مستقيما حتى نتمكن من أن نعرف كل يوم كم تقدمنا وكم اقترفنا من هدفنا ، هذا الهدف الذي تدفعنا نحوه الرغبة اللازمة لطبيعتنا. و حتى نتمكن من اختيار الطريق المستقيم الذي وحده سيقودنا إلى تحقيق هدفنا علينا أن نستعين بإنسان خبير أو مرشد حكيم يكون سبق له وأن اختبر الهدف الذي نقصده . هذا ، ويحذرنا سينكا عند عزمنا السفر بحثا عن السعادة أن نسلك الطريق الأكثر استعمالا. إذ هو الأكثر تضليلا ،وما هذا السبيل الأكثر استعمالا إلا طريق أو سبيل العامة,بل بالضد من ذلك، علينا أن نبتعد عن طريق المحاكاة ،أي الاستقلال عن الطريق الذي تتبعه العام في تحصيل السعادة وإتباع طريق" العقل". [22]
موقف أبيقور :
إن المتأمل في هذا النص بأجل نظر وأدقه، يتبدى له أن أبيقور يطرح فيه قضية السعادة في علاقتها بمبدأ اللذة .هذه القضية التي يمكن صوغها في اشكلين اثنين وهما: هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟
يجيب أبيقور عن الإشكال الأول بالا جاب فيقول : " إن اللذة هي مبدأ الحياة السعيدة وغايتها ". بمعنى أخر أن تحقيقنا للذاتنا، وتجنبنا للألم- كما سيذكر في موضع آخر من النص-هو ما يجعلنا سعداء . وبهذا تكون السعادة عند أبيقور هي:" لذة تلحق النفس والجسد ". لكن، دون أن يعني هذا أن كل ا لذات تحقق لنا السعادة - من وجهة نظر أبيقور- . إذ من الذات ما يكون مفعولها عكسيا ، بمعنى أنه عوض أن تحقق لنا السعادة تتسبب لنا في الألم . والعكس صحيح ، فمن الآلام ما يكون وراء الصبر عليها تحصيل لذة أعظم. ومن هنا فلا ينبغي علينا أن نبحث عن كل اللذات وبالمقابل علينا ألا نتجنب كل ألآلام . هذا، ويشدد المذهب الأبيقوري على فضيلة القناعة ،أي أن نقنع بما نملك وان كان قليلا . إذ المتعة التي نجدها في تناول الطعام البسيط، ليست أقل من تلك التي نجدها في المآدب الفاخرة، بشرط أن يزول ألألم المتولد عن الحاجة . فقليل من خبز الشعير والماء يجعنا نشعر بلذة عظيمة إذا كانت الحاجة إليهما شديدة. والى جانب تشديده على فضيلة القناعة يؤكد أبيقور على العيش البسيط، دونما أن يعني ذلك التقشف. فالقناعة و العيشة البسيطة لهما أفضل ما يضمن لنا الصحة الجيدة ، وما ييسر لنا الاستجابة لمتطلبات الحياة الضرورية، كما أنهما يجعلننا عند وجودنا أمام ما لذ وطاب من الأكل، قادرين على التمتع بذلك حق التمتع. فتناول ما لذ وطاب من الأكل يوميا ينقص من لذة تمتعنا به. فضلا عن أن تشبثنا بفضيلة القناعة والعيشة البسيطة يجعلننا لا نخشى تقلبات الدهر .[23]
موقف شوبنهاور:
يطرح شوبنهاور في هذا النص إشكالين وهما : ما هو الأصل في هذا العالم؟ أهو الألم و العذاب أم المتعة و الإشباع ؟ وهل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟
يعتبر شوبنهاور أن حقيقة هذا العالم أو ماهيته هي الألم والعذاب و الحرمان ، أي أن الأصل في الحياة هو الألم والحرمان أم الإشباع و البهجة فهما ليسا سوى أمل عابر أمام الألم والعذاب والشقاء الدائمين. وشوبنهاور ينعت هذه السعادة غير الدائمة العابرة اللحظية بالسعادة" السالبة" ، لأنه سرعان ما يعقبها :"إما شرا مستجدا وإما فتورا وانتظارا" لسعادة لحظية عابرة أخرى .وإذا كان الأمر هكذا، فان هذا ما يفسر لنا عدم اكترتنا بما لدينا من ممتلكات وامتيازات ،لأن السعادة التي تمنحنا إياها ليست سوى إعفاءا لنا من بعض العذابات. ويدلل شوبنهاور على أطروحته بالفن وبخاصة الشعر، حيث نجد موضوع القصيدة الملحمية أو المأساوية لا يمكن أن يكون سوى شجارا أو جهدا أو معركة . وهذه المواضيع كلها تمثل الألم والشقاء الذي يتحمله الإنسان في سبيل تحقيقه سعادة سالبة، أي سعادة لحظية عابرة.
ومن كل ما سبق، نخلص إلى أن الأصل في الحياة بحسب شوبنهاور هو الألم والشقاء، وأن السعادة هي مجرد لحظات عابرة ، تتخلل بين الفينة و الأخرى هذا المسير من الألم والعذاب الذي يحكم حياتنا كلها.[24]
موقف دافيد هيوم :
يعالج دافيد هيوم في هذا النص إشكال علاقة السعادة بالفنون والذوق .إذ يميز هو بين نوعين من الرهافة :" رهافة الإحساس" و"رهافة الذوق".
فالأفراد الذين لهم رهافة في الإحساس يكونون بالغي الحساسية تجاه عوارض الحياة وحوادثها، فأنت تجدهم فرحين بالحياة مقبلين عليها كلما كان هناك أي حدث طيب يمسهم . وبالضد من ذلك شديدي التألم عندما يمسهم ما يحزنهم. وعين الانفعالات التي يحس بها من لديه رهافة الإحساس عند مصادفته لحدث طيب أو لحدث مؤلم، يشعر بها من لديه "رهافة الذوق"، عند مصادفته كل جمال أو قبح أو تشوه . فلما نقدم له قصيدة شعرية أو لوحة فنية، فان رهافة ذوقه تجعل كل جوارحه ترتعش أمام ما يقدم له ، فيتذوق جمال الخطوط التي خطتها يد الرسام، ويتذوق الكلمات التي كتبها الشاعر. وبالمقابل نجده يشعر بالاشمئزاز أمام كل ما ليس بجميل، أمام كل فعل تم انجازه بدون دقة. وبالجملة، فحتى نحصل السعادة - بحسب هيوم – علينا" تهذيب ذوقنا" ليكون راقيا، حتى نتمكن من اختيار وفهم الفنون الأكثر نبلا التي ستشعرنا بالسعادة ، سواء كانت شعرا أو نثرا أو موسيقى أو رسما .[25]
المحور الثالث׃ السعادة و الواجب .
تـقــديــــم :
ﺇن الإنسان باعتباره كائن طبيعي- اجتماعي كان لزاما عليه الدخول ﺇلى القيم اﻷخلاقية،لكي يتحرر من دوافعه الغريزية وما يمكن ﺃن يترتب عنها من عنف تجاه الآخرين. فباﻹضافة ﺇلى ازدواجية الطبيعي والاجتماعي التي تشكل حقيقة اﻹنسان هناك ازدواجية ثانية تطبع وجوده اﻷخلاقي هي ازدواجية اﻹلزام و اﻹلتزام،ﺇلزامية أخلاقيه تفرضها قيم المجتمع ,والتزام أخلاقي يستمد مبادئه من وعي الإنسان.
من داخل جدلية اﻹلزام و اﻹلتزام يطمح اﻹنسان ﺇلى خلق توازن لبلوغ السعادة باعتبارها الغاية القصوى للفعل الإنساني المتجه نحو تجسيد قيم أخلاقية فردية وجماعية،وتحديد الواجبات التي على كل فرد القيام بها سواء نحو ذاته ﺃم تجاه الغير.وﺇذا كان اﻷمر كذلك فان السعادة تبنى داخل علاقات ﺇنسانيه يتشابك فيها واجب ﺇسعاد الذات بواجب ﺇسعاد الغير مما يحفزنا على طرح التساؤلات التالية׃
ما هي علاقة السعادة بالواجب ،هل هي علاقة تكامل ﺃو علاقة ﺇعاقة؟
بمعنى ﺁخر، هل يكمن ﺃساس السعادة في فعل ما نريد،ﺃم في الانصياع للواجب و القانون،طبيعيا كان ﺃو ﺃخلاقيا؟
وإذا كانت هناك علاقة بين السعادة والواجب فهل السعادة واجب نحو الذات ﺃم نحو الغير, ﺃم هما معا؟
وفي الختام كيف يمكن بلوغ السعادة في ظل تمفصلاتها مع مفاهيم الواجب والغير والإرادة؟
موقف ابكتيت :
ﻠﻺجابة عن هده التساؤلات يمكن الاستئناس بأحد المواقف الفكرية التي حاولت ربط السعادة بالواجب والإرادة والمتمثلة في الفيلسوف الرواقي "ابيكتيت" epectète" ( 125-50) الذي يعتبر من أهم أعلام الفلسفة الرواقية التي ظهرت في نفس الفترة التي ظهرت فيها الأبيقورية وكانت معارضة لها. تنطلق هذه المدرسة من فكرة أن في الطبيعة قانون و عقل و اﻹنسان جزء من هذه الطبيعة و ﻫﻨا العقل.وإذا استنتجنا من ﻫﻨﻩ الفكرة في نظرية المعرفة نتائجها الأخلاقية نجد ﻫﻨﻩ المدرسة تدعو اﻹنسان إلى أن يحيا وفق ﻫﻨﻩ الطيعة إذا أراد ﺇدراك السعادة و تجنب الشقاء، وﺇلا سيكون متمردا على
القانون الطبيعي.
ويتعرف الإنسان على قانون سيرته في ﻫﻨﻩ الحياة بالرجوع إلى ميوله الأساسية التي وضعتها الطبيعة فيه لتدله على ما يريد. والميل الأول ﻫﻮ حب البقاء الذي يهديه لتمييز ما يوافقه وما يضاده. و اﻷبيقورية في نظرهم على ضلال حين رأت أن الميل الأول طلب اللـﻨة، فما اللذة و الألم ﺇلا عرض ينشأ حين يحصل الإنسان على ما يوافق طبيعته أو بضادها لذلك تنقلب اللذة ألما وشرا ﺇن ظلت لذتها دون النظر ﺇلى مدى مطابقتها للقانون الطبيعي و اﻹرادة الكلية،ففي تلك المطابقة وحدها الحكمة والخير والفضيلة والسعادة.ولعل ابكتيت لايخرج عن تعاليم مدرسته،فهو يرى على غرارها أن الطريق الموصل ﺇلى السعادة هو الخضوع للقانون الطبيعي و اﻹردة الكلية التي هي مبدأ كل ما يحدث.ففي العالم أشياء تتوقف علينا وأشياء خارجة عن إرادتنا، فكلما تحركنا في دائرة الأفعال التي تخصنا توصلنا ﺇلى السعادة، في حين يؤدي التحرك خارج ﻫﻧﻩ الدائرة أو التطلع ﺇلى الأشياء الخارجة عن ﺇرادتنا أو التي توجد تحت سيطرة الغير ﺇلى اﻹاضطراب والشكوى ،وبالتالي ﺇلى التعاسة. [26]
ﺇن مايجلب للناس التعاسة ليست اﻷشياء في ذاتها بل اﻵراء التي لديهم عنها، فالموت حسب ابيكتيت ليس شرا وألما في ذاته ولو كان كذلك لبدا لسقراط كذلك.بل إن الشر يكمن في الرأي الذي لدينا عن الموت بأنه شر وألم فذاك هو الشر أما الموت في ذاته،مطابق للقانون الطبيعي و اﻹرادة الكلية.فكل اﻷشياء العرضية كالموت وغيره ليس متعلقا بإرادتنا وليس خيرا أو شرا بالذات بل متعلقا باﻹرادة الكلية والقانون الطبيعي،فمن الحماقة أن نهلع لمرض أو نحزن لنكبة وما هذه اﻹانفعالات لمجدية لدفع هذه اﻷخطار بل من الواجب أن نعتصم بإرادتنا الفردية ونحتفظ بحريتنا لنرتفع بأنفسنا فوق كل شيء لانخاف،لانحزن بل نقبل كل مايصبنا من رزايا.فمن واجب اﻹنسان ﺇذا أرادا أن يحيا سعيدا وبإمكانه ذلك أن يعمل على مطابقة ﺇرادته الفردية مع اﻹرادة الكلية.
موقف كانط :
ﺇذا كانت الرواقية في شخص ابيكبيت قد رأت أن الطريق الموصل ﺇلى السعادة هو الخضوع للقانون الطبيعي، فان "ﺇيمانويل كانط"﴿1724-1804﴾يرى أن هذا القانون أخلاقيا وليس طبيعيا،عقليا وليس مستمدا من الميول الأساسية عند اﻹنسان.فالسعادة عنده لا يمكن أن تكون مستقلة عن القانون الأخلاقي وعن مبدأ الواجب،لأن ميدان الأخلاق والذي تعتبر السعادة غايته ليس ميدانا لتحليل العواطف الإنسانية كما ذهب إلى ذلك دفيد هيوم،وﺇلا لكانت المبادئ الأخلاقية مبادئ متنازع عليها. [27]كما أنه لايمكن أن يكون مستمدا من الميول ا لأساسية التي وضعتها الطبيعة في الإنسان كما ذهب إلى ذلك ابيكتيت. معنى هذا أن للأخلاق أصول عامة شامله وصادقة في كل زمان ومكان .ولكن ما الذي يدفعنا لأن نخضع لهذه المبادئ اﻷخلاقية؟ يجب كانط: «مامن منفعة تدفعني إلى هذا إذ لو كان الأمر كذلك لما أمكن قيام أمر أخلاقي مطلق.». [28]لأن مبدأ الأخلاقية مستقل تمام الاستقلال عن طبيعتنا الحسية فهو مستمد من الصورة الخالصة للعقل دون الاستعانة بالحساسية.كما أن اﻹنسان نظرا لتميزه بالعقل في غير حاجة ﺇلى الفلسفة أو العلم لفعل ما يجب عليه القيام به،ففي تجربة الصراع بين الضمير والأهواء ينبثق المبدأ العقلي للواجب الذي يلزم ﻹنسان بتطبيق القانون ﻹخلاقي حتى ولو تعارض مع ميولا ته ومنطلق هذا الواجب هو اﻹرادة الخيرة، ﺇﺫلا قيمة للفضائل بدون ﻫذاﻹرادة.
من هذا المنطلق صرح كانط أن السعادة باعتبارها كل مطلق مركب من مجموعة من الرغبات يصعب تحقيقه أو تعريفها،ﻹن جميع العناصر التي تؤلفها هي في جملتها مستعارة من التجربة مما يجعلها مفهوما للخيال وليس للعقل.في حين نجد اﻹنسان لكونه كائن متناه عاجز عن تحقيق تصور محدد لما يريد.لكن لو انتقلنا من تصور يشرط السعادة بتحقيق رغبة ما أو إقصائها إلى تصور يجعل منها غاية تبنى داخل مجال العلاقات اﻹنسانية ويجعله منها أيضا موجها لتصرفاته سواء نحو ذاته أم نحو الغير،لأمكن الأمل فيها متى كنا مؤهلين لها بقانون أخلاقي.الشيء الذي يحيلنا على طرح مجموعة من التساؤلات يمكن صياغتها على الشكل التالي:هل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير،أم هما معا؟وكيف يمكن إسعاد ﺫاتي وﺇسعاد الغير؟وما علاقة السعادة بالرغبة و اﻹرادة؟
موقف راسل و ألان :
ﺇن اﻹجابة عن ﻫﺫا التساؤلات تقتضي منا التمييز بين موقفين،موقف يرى أن اﻹهتمام بالغير بمودة تلقائية للتعرف عليه وفهم خصوصيته وتفرده يشكلان مصدر ﺇسعاد الغير؛وبالتالي سعادة الذات؛وهو" لبرتراند راسل"وموقف آخر يرى أن السعادة ممكنة عندما تتوفر لدى اﻹنسان ﺇرادة طلبها،غير أنها لايمكن أن تتجه للغير دون اﻹلتزام بإسعاد الذات أولا،وهو"ألان" بالنسبة لراسل يدافع عن حق كل ﺇنسان في السعادة، دون أن يكون ذالك على حساب الآخرين، لكن من زاوية أن السعادة الحقيقية لا تكمن في أنواع الموضات والهوايات و التي تعد بمثابة هروب من الواقع بل تنبثق من فكرة التضحية بالذات التي يفرضها اﻹحساس بالواجب ، بوصفه أمرا أخلاقيا مطلقا وملزما كما ذهب ﺇلى ذالك كان كانط. لهذا تراه- مثلا- يقف على مظاهر الإحراج الذي يطرحه مشكل الواجب الأسري تجاه الأبناء من صرامة وعناية من جهة،ومن جهة أخرى الحرص على المعاملة الطيبة بغية إفساح المجال أمام المشاعر الإنسانية من عطف وحب وسعادة، ولعل هذا الموقف يتضامن مع نظرته للفلسفة التي جعل مهمتها تناول المنطق الخالص و الرموز والتركيبات ولا تعنى بالتشريع لما هو واقعي. ففي عالم الكيانات و العلاقات المنطقية المجردة تنزوي الفلسفة و العقل بعيدا عن تقلبات الشهوة و الانفعال. فراسل يطرد العقل من مجال الأخلاق وهذا ما جعله عندما يتحدث عن سعادة الغير يقول: "* ربما كان حب كثير من الناس تلقائيا وبدون مجهود، أعظم مصادر السعادة الشخصية"* معنى هذا أن الآخر يجب أن يكون محبوبا وليس مقبولا على مضض. في المقابل نجد ألان ''إميل شارتي'' يصرح بإمكانية السعادة إذا توفرت للإنسان إرادة طلبها،فمن السهل على المرء أن يكون مستاء، و من السهل عليه أيضا أن يرفض ما تقدمه الحياة من عطايا، لكن بالمقابل من السهل عليه أن يصنع من أشياء قليلة وبسيطة مظاهر السعادة التي يلتمسها في علاقته ب الآخر. بذلك يناشدنا آلان بعدم الاستسلام عند مواجهة الصعوبات وألا نعترف بالهزيمة قبل مواجهة ومقاومة نبذل فيها أقصى ما نملك من القوة. فالسعادة لا توجد هناك بل مرتبطة برغبتنا وإرادتنا. فمن الواجب علينا أن نصنعها ونناضل من أجلها ونعلم الآخرين فن الحياة السعيدة وذلك بعدم التحدث أمامهم عن تعاستنا. فالشقاء واليأس منتشران في الهواء الذي نستنشقه جميعا، هذا يعني أن السعادة واجبة نحو الذات لأن سعادتنا تعني مباشرة سعادة الغير و تعاستنا تعني تعاسة الغير.[29]
إن رفض السعادة حسب ألان هو السبب فيما تعرفه الإنسانية من مآس وحروب، فهذه الجثث و الخراب و التبذير، و التقوقع هي من أفعال أناس لم يعرفوا في حياتهم قط، كيف يكونوا سعداء، ولا يطيقون رؤية كل من حاول أن يكون سعيد. فنحن مدينون بالاعتراف و التتويج، لأولئك الذين تغلبوا على هذه السموم وعملوا على تنقية جو الحياة الاجتماعية. لتصبح السعادة في نهاية المطاف قيمة أخلاقية توجه تصرفات الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر.
إذا كان كل من برتراند راسل و آلان قد تحدثا عن السعادة بوصفها غاية تبنى داخل مجالات العلاقات الإنسانية، فإن الفيلسوف المؤمن يؤمن بوجود سعادة أخروية تمثل لذة بلا عناء وكمالا بلا نقصان. ولعل الغزالي لم يحدثنا عن هذا التصور في كتابه" المنقذ من الضلال"حيث يحاول تكييف ثوابت العقيدة الإسلامية مع التجربة الصوفية المتحررة من ظاهر النص في مقاربته لمفهوم السعادة.
إن الشرط الأساسي لتحصيل السعادة عند الغزالي هو قطع علاقة القلب بالدنيا، و كف النفس عن الهوى، ومجاهدة الجسد لكبح رغباته، ثم المواظبة على العزلة و الخلوة والإعراض عن شواغل الحياة التي تشوش صفوة الخلوة وتقليد الأنبياء في المواظبة على العبادات، لأن السعادة تحصل بالقلب وليس بالعقل.
خاتــــــمـــــة :
يسمح النقاش الفلسفي حول مفهوم السعادة أولا بوضعه داخل المجال الأخلاقي القيمي بدلا من النظر إليه من زاوية شخصية فردية ،و ثانيا بادراك تعقيد و لبس هذا المفهوم حتى و إن كان الجميع متفق على أن السعادة هي الغاية القصوى الموجهة لكل سلوك أو فعل إنساني .كما يسمح هذا النقاش بادراك تمفصلات هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى كمفهوم الرغبة و الإرادة و الحرية ،و أخيرا وضع هذا المفهوم في اطار العلاقات الأساسية لتصبح السعادة قيمة أخلاقية يلتزم فيها الإنسان بواجب إسعاد ذاته وواجب إسعاد الغير .

الحرية
1- تحضير الأستاذ عبد القادر ملوك
2- تحضير جماعي
1 - إعداد الأستاذ: عبد القادر ملوك
مــقـدمــــة:
يعتبر مفهوم الحرية من اكثر المفردات اللغوية جمالية ووجدانية، لذا استحقت اتخاذها شعارا للحركات الثورية و قوى التحرر و الأحزاب السياسية و العديد من الدول و منظمات حقوق الإنسان في العالم، بوصفها قيمة إنسانية سامية تنطوي على مزيج من العناصر الأخلاقية والاجتماعية والوجدانية والجمالية. غير أنها من بين أكثر المصطلحات اللغوية والفلسفية إشكالية؛ فقد تعددت التعاريف الفلسفية التي أعطيت لها، إلى حد لا نكاد نقع فيه على تعريف جامع مانع لها. بيد أن فهمها و تحديد ماهيتها ليس بالأمر المستحيل إذا أمكنا لنا النفاد إلى العالم الذي توظف فيه، ألا و هو عالم الإنسان، باعتبارها حاجة إنسانية أصيلة و جزءا مكونا لشخصية كل إنسان، إن لم نقل أنها كل شخصيته. و كمحاولة منا للدخول إلى عالمها و الوقوف على ماهيتها، نقول أن الحرية تعني عند البعض غياب القيود و القدرة على فعل ما لا ينبغي فعله، و قد تعني مجرد الوعي بما يتحكم فينا من ضرورات و حتميات و أخدها بعين الاعتبار حين القيام بسلوك معين، كما قد تعني التحرر و الوعي بما يتحكم فينا و السعي إلى التحرر منه؛ ذلك أن سيادة هذا المفهوم في معناه الأول و الثاني، هو الذي يفسر الاعتقاد في تميز الظاهرة الإنسانية كيفيا(نوعيا) عن باقي الظواهر الطبيعية. و هو ما يفسر في نفس الوقت، رفض الانتقال بدراستها من المجال الفلسفي إلى المجال العلمي بفعل تفردها و خصوبتها و عدم قابليتها للتجريب عليها. و هي تبعا لذلك لا تخضع لقانون محدد أو حتمية مضبوطة.
و قبل أن نغوص في ثنايا هذا المفهوم، لا بأس أن نعرج على الفلسفة اليونانية - سيما و نحن نعالج مفهوم الحرية من الناحية الفلسفية- ثم نلقي الضوء، بعد ذلك، وبعجالة، على نفس المفهوم كما قاربه الفلاسفة المسلمون.
لقد تناول فلاسفة اليونان مفهوم الحرية بمعان مختلفة؛ فالسفسطائيون كانوا يعتبرون أن الإنسان الحر، هو الذي يسلك وفقا للطبيعة، أما غير الحر فهو من يخضع للقانون. أما سقراط - الذي فضل الموت على التنازل عن أفكاره و حريته، والذي قادته أفكاره و إيمانه بحرية التعبير إلى محاكمته المشهورة كما نعلم – فقد اعتبر أن الحرية تعني "فعل الأفضل" و هذا يفترض البحث، وبلا كلل، عن الأحسن، فاتخذت الحرية معنى التصميم الأخلاقي وفقا لمعايير الخير. و أما عند أفلاطون فتعني "وجود الخير" و الخير هو الفضيلة، والخير محض ويراد لذاته، و الحر هو الذي يتوجه فعله نحو الخير. و مع ظهور أرسطو سيبدأ المعنى الأدق للحرية في الظهور، إذ يربطها بالاختيار:
" إن الاختيار ليس عن المعرفة وحدها بل أيضا عن الإرادة ...و الاختيار هو اجتماع العقل مع الإرادة معا".
أما عند الفلاسفة المسلمين فقد ارتبط الحديث عن الحرية بالحديث عن القدر و "الجبر و الاختيار"، و فيما إذا كان الإنسان مخيرا أو مسيرا. و غير خاف، الحيز الذي أخده هذا الموضوع من نقاش الفرق الكلامية على اختلافها ( المعتزلة، الأشاعرة، المرجئة ...)و التي تراوحت آراء روادها، بين قائل بان الإنسان مجبر على أفعاله، و قائل بان الإنسان ليس مجبرا و بان له قوة و استطاعة، بها يفعل ما اختار فعله، وغيرها من المواقف التي دونتها لنا أقلام الأولين.
هكذا نستطيع الجزم بان مفهوم الحرية طرح و لازال يطرح صعوبات جمة أمام الفلاسفة حين محاولة تعريفه، إلا أننا سنحاول فيما سيأتي من محاور تقديم مواقف و إجابات البعض منهم عن الأسئلة التالية:
- أن نكون أحرارا هل معناه أن نفعل ما يحلو لنا؟ أم أن نتحرر من التبعية لقوانين الطبيعة؟
أم أن نتصرف وفقا للعقل أو ضده؟ هل معناه التحرر من قوانين الدولة أم الخضوع لها؟
- هل للحرية علاقة بالأخلاق أم أنها مستقلة عنها معارضة لها؟ ثم كيف تسمح القيم الأخلاقية بتحرر الإنسان و هي في ذاتها تقنين لتصرفاته؟
- ما علاقة الحرية بالإرادة؟ و هل يسمح العيش داخل جماعة (دولة) بالقول بحرية الفرد؟
1. الحرية والحتمية:
من البديهي أن الحديث عن الحرية لا يستقيم إلا بالحديث عن نقيضها، المتمثل في "الحتمية"، عملا بالقولة الشهيرة" الأشياء تعرف بأضدادها". لذلك سنحاول، بادئ ذي بدء، التعرف على هذا النقيض قبل بيان مواقف الفلاسفة بخصوص مفهوم الحرية.
لقد نشأ مفهوم الحتمية كنقيض لمفاهيم ومبادئ اعتقد أنها هي التي تحكم العالم، كالصدفة والعشوائية والفوضى وغياب النظام والاعتقاد في خضوع العالم إلى قوى غيبية لا سبيل إلى معرفتها أو التحكم فيها على الأقل( هو ما عبر عنه بالجبرية). ويقصد بالحتمية الاعتقاد بأن الظواهر تخضع في نشوئها وتطورها وزوالها، لعوامل مادية مضبوطة يمكن معرفتها والتحكم
فيها. وعلى أساس هذا المبدأ نشأ العلم وأمكن بالتالي تفسير عدد من الظواهر والتحكم فيها وتوقع حدوثها، وهو ما دفع كلود برنار إلى القول بـ "أن العلم حتمي وذلك بالبداهة، ولولاها لما أمكن أن يكون". فكان من الطبيعي أن يوجه تصور من هذا النوع، المحاولات الأولى لنقل الظاهرة الإنسانية، من حقل التناول الفلسفي إلى حقل التناول العلمي؛ فالفرد في مسار نموه وتطوره يخضع لحتميات يمكن معرفتها ومن تم التحكم فيها، وهو الرأي الذي اتفق عليه مجموعة من الفلاسفة والعلماء رغم اختلافهم في جزئياته، من بينهم جون واطسون،مؤسس المدرسة السلوكية، الذي اعتقد أن بإمكانه أن يصنع من الطفل الشخص الذي يريد. و سيجموند فرويد رائد التحليل النفسي الذي اعتبر أن الفرد يخضع لحتميات سيكولوجية، تتمثل في الأثر الحاسم للطفولة في تكوين الشخصية وتحديد استجاباتها في كل المراحل اللاحقة.
وهي أمثلة فقط قد نضيف إليها الموقف السوسيولوجي ومواقف أخرى، أجمعت جميعها على خضوع الفرد لحتميات تقوده – رغما عنه – في الحياة وتوجه سلوكه وتتحكم في إرادته. من هنا تأتي مشروعية استحضار المقاربة الفلسفية الرافضة لكل محاولات إخضاع الإنسان لمناهج لا تتلاءم مع خصوصيته،والداعية إلى النظر إليه في بعده الحي، المتغير، والمتجدد باستمرار.
لن نجزم بأننا سنتناول كل المواقف الفلسفية التي قاربت مفهوم الحرية في علاقتها بالحتمية، ولكن حسبنا أن نبرز آراء البعض منها، خصوصا الذين يحسب لهم إسهامهم الواضح في تناول هذا الموضوع أكثر من غيرهم، الأمر يتعلق بكل من ابن رشد ، سبينوزا، كانط و ميرلوبونتي.
يعتبر ما أتى به أبو الوليد ابن رشد، في معرض حديثه عن مسألة الجبر والاختيار، بمثابة حل، يروم فظ التشابك والاختلاف الذي كان السمة الطاغية على نقاش الفرق الكلامية، ويبين تهافت مواقفها التي تباينت بين الجبرية التي لم تكن ترى في الإنسان سوى كائنا مجبرا على أفعاله، والمعتزلة التي قالت بحريته وشددت عليها، وفرقة الاشاعرة التي جمعت بين الموقفين فيما عرف بنظرية "الكسب". وتكمن جدة موقف ابن رشد في إقراره بحرية الإنسان في إتيان أفعاله، خيرها وشرها وباقي الأضداد الأخرى، مع عدم نكرانه للحتمية التي تتجلى، في اعتقاده، في خضوع الإنسان لقوانين الطبيعة وقوى الجسد المخلوقان من طرف الله.
أما باروخ سبينوزا فيبدأ حديثه عن هذا الموضوع، برفضه التمييز بين الإرادة والعقل، معتبرا أن الإرادة ما هي إلا ميل العقل إلى قبول ما يروقه من المعاني، واستبعاد ما لا يروقه؛ فما يسمى بالفعل الإرادي هو فكرة تتبث نفسها أو تنفيها، وما يسمى بالتوقف عن الحكم هو حالة عدم إدراك الفكرة على نحو مطابق. وبما أن الأشياء، في اعتقاده دائما، معينة بما في الطبيعة الإلهية من ضرورة الوجود والفعل، لم يكن في الطبيعة ممكنات، ولم يكن في النفس إرادة حرة، فالنفس معينة إلى فعل معين بعلة، هي بدورها معينة بعلة وهكذا إلى غير نهاية. إن سبينوزا، بهذا المعنى، يعتبر الحرية، أو بالأحرى الشعور بالحرية مجرد خطأ ناشئ مما في غير المطابقة من نقص وغموض؛ فالناس يعتقدون أنهم أحرار لأنهم يجهلون العلل التي تدفعهم إلى أفعالهم، كما يظن الطفل الخائف انه حر في أن يهرب، ويظن السكران انه يصدر عن حرية تامة، فإذا ما تاب إلى رشده عرف خطأه. مضيفا أنه لو كان الحجر يفكر، لاعتقد بدوره أنه إنما يسقط إلى الأرض بإرادة حرة. وبذلك تكون الحرية الإنسانية خاضعة لمنطق الأسباب والمسببات الذي ليس سوى منطق الحتمية.
ينطلق ايمانويل كانط في معرض تناوله لمفهوم الحرية، من فكرة تبدو له من المسلمات والبديهيات، مفادها أن الحرية خاصية الموجودات العاقلة بالإجمال؛ فهذه الموجودات لا تعمل إلا مع فكرة الحرية. غير أن أي محاولة من العقل لتفسير إمكان الحرية تبوء بالفشل، على اعتبار أنها معارضة لطبيعة العقل من حيث أن علمنا محصور في نطاق العالم المحسوس وأن الشعور الباطن لا يدرك سوى ظواهر معينة بسوابقها، وهذه المحاولة معارضة لطبيعة الحرية نفسها من حيث أن تفسيرها يعني ردها إلى شروط وهي علية غير مشروطة. كما ينص كانط على التعامل مع الإنسان باعتباره غاية، لا باعتباره وسيلة، ذلك لأن ما يعتبر غاية في ذاته ، هو كل ما يستمد قيمته من ذاته، ويستمتع بالتالي بالاستقلال الذاتي الذي يعني استقلال الإرادة. يقتضي هذا المبدأ بان يختار كل فرد بحرية الأهداف والغايات التي يريد تحقيقها بعيدا عن قانون التسلسل السببي الذي يتحكم في الظواهر الطبيعية.
أما إذا انتقلنا إلى نظرية موريس ميرلوبونتي في الحرية، فسنجد أن صاحب" فينومينولوجيا الإدراك"، يشترك مع غيره من فلاسفة الوجودية في القول بان الحرية هي صميم الوجود الإنساني، إلا انه يختلف عنهم في القول بان مجرد حضور الذات أمام نفسها ينطوي هو نفسه على الحرية، إذ أن الوعي ليس سوى تلك المقدرة على الإفلات من كل قيد أو حد، بمجرد التفكير في هذا القيد أو هذا الحد. فالذات تمتلك القدرة على أن تعلو بالفكر على كل قيود خارجية قد تتصور نفسها أسيرة لها. وتبعا لذلك فإن الوعي أو الشعور- فيما يقول – هو بطبيعته انفصال ومفارقة وحرية، لأنه ينطوي في صميمه على حركة مستمرة تنفصل فيها الذات عن الواقع، بفعل تلك الحرية، التي هي في جوهرها، قدرة مباشرة على التحرر من شتى الحدود والقيود. إلا أن ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الإطار، هو أن ميرلوبونتي يرفض الحرية المطلقة، بل يعتبر أن الحرية التي تظل حرة بالضرورة، لا تفترق مطلقا عن الحتمية نفسها، مبررا قوله بأننا لو سلمنا بوجود مثل هذه الحرية فسيكون من العسير علينا أن نفهم معنى الالتزام engagement [ما نحققه في الحاضر لابد من أن يندرج في المستقبل محققا في الوقت نفسه شيئا يظل محفوظا، فإذا ما جاءت اللحظة التالية أفادت مما سبقها من لحظات].
ينحو بنا عبد الله العروي منحى آخر في مقاربته لهذا المفهوم، فالحرية في اعتقاده غير متعالية عن الواقع، كما اعتبرها البعض، بل محايثة له، اتخذت قديما طابعا بسيطا ومختزلا بحكم القيود والضوابط التي عرفتها الأشكال التقليدية للمجتمعات، والتي لم تكن تسمح سوى بهامش ضئيل من الحرية. أما في الآونة الراهنة فالحرية لم تعد معطى جاهزا يملكه الفرد مسبقا، بل هو عملية تحرير مستمرة، تحتك بعمليات تحريرية أخرى تخوض معها نفس التجربة لكن بأشكال مختلفة بحكم فرادة الذات وخصوصياتها.
2. الحرية والإرادة:
لقد سبق وأشرنا إلى أن الحرية حاجة فطرية لدى الإنسان، جوهرها الاتساق والتوازن الذاتي للشخصية الإنسانية؛ فالناس ولدوا من بطونهم أحرارا، لذا فهي ليست كسبا يحرزه المرء بجهده الخاص، وإن كان الحفاظ عليها يستدعي بذل قصارى الجهد لمواجهة التهديدات المستمرة الهادفة للنيل منها. وعليه فجميع الناس يدركون معنى الحرية، رغم تفاوت مقدار حيازتهم لها. وكلما تعمق وعيهم بها، ازدادوا نزوعا إليها، وذادوا عنها وضحوا في سبيلها. إن شعورنا بالحرية يبدأ منذ اللحظة التي نقدر فيها على الاختيار بين ما نريد ( الإرادة) وما لا نريد، فامتلاكنا القدرة على الاختيار بالقبول أو الرفض، يؤكد امتلاكنا للحرية. لكن هل يعني امتلاكنا للإرادة، أننا أحرار في تقرير شؤون الحياة المختلفة؟ وهل الإرادة شرط للحرية؟ ثم إلى أي حد تصدق مقولة سارتر"نحن مجبرون على الحرية" (رغما عن إرادتنا)؟
نبدأ الخوض في هذا الموضوع، بإدراج تصور فلسفي إسلامي يمثله أبو بكر محمد ابن باجة، الذي لم يشكل استثناءا للقاعدة، على اعتبار أن تناوله لمشكل الحرية يندرج، بدوره، في إطار مسألة الجبر والاختيار، التي كما اشرنا سابقا، شكلت موضوع نقاش الفلاسفة المسلمين بمختلف مشاربهم ومواقفهم. لقد ميز ابن باجة في أفعال الإنسان بين، تلك التي يختارها عن إرادة (الإرادة الكائنة عن روية)، وهو يسميها أفعالا إنسانية، لأنها خاضعة للفكر، يحركها ما يوجد في النفس من رأي أو اعتقاد، ويسبقها تدبير وترتيب، وبين الأفعال البهيمية التي يتقدمها في النفس، الانفعال النفساني فقط، بمعنى أنها مجرد ردود أفعال آلية ، ميكانيكية، خالية من كل تدبير مسبق، وغير مؤسسة على تفكير قبلي؛ فكسر إنسان لعود خدشه لمجرد أنه خدشه، يعتبر فعلا بهيميا. أما كسره لئلا يخدش غيره، أو عن روية توجب كسره، فذلك فعل إنساني.
بعيدا عن موقف ابن باجة، يمكن أن نقول أن ج. ب. سارتر هو فيلسوف الحرية بامتياز، وكيف لا وهو قد نصب نفسه منذ البداية خصما لذودا لكل لون من ألوان الجبرية. لقد رفض هذا الفيلسوف في كل من كتابيه " الوجود والعدم" و" نقد العقل الجدلي" شتى المحاولات المبذولة في سبيل الهبوط بالإنسان إلى المستوى البيولوجي الصرف. فالحرية هي نسيج الوجود الإنساني، والشرط الأول للعقل هو الحرية: "إن الإنسان حر، الإنسان حرية... الإنسان محكوم عليه أن يكون حرا، محكوم عليه لأنه لم يخلق نفسه وهو مع ذلك حر لأنه متى ألقي به في العالم، فإنه يكون مسؤولا عن كل ما يفعله". هكذا يتحكم الإنسان –حسب سارتر- في ذاته وهويته وحياته، في ضوء ما يختاره لنفسه بإرادته ووفقا لإمكاناته.
مع فيلسوف ألمانيا الأشهر،إيمانويل كانط، سنتحدث عن اصطلاح، سلطان الإرادة، الذي هو المبدأ الأسمى للأخلاق،والذي يحافظ على كرامة الإنسان. فالإرادة هي مصدر الأمر الأخلاقي المطلق والإنسان الموجود في العالم العقلي، حيث أن إرادة الإنسان الموجود في العالم الحسي، تخضع لإرادة الإنسان الموجود في العالم العقلي، والذي هو في النهاية إنسان واحد. فصورة الحرية التي نستطيع أن نفكر فيها دون أن نعرفها، ليست فقط مما يتطلبه إحساسنا بالواجب، إذ تتمشى هذه الصورة مع سيطرة مبدأ السببية على العالم الظاهري. فالإنسان من حيث هو كائن ظاهري في ذاته، فإنه حر، فهو لا يستطيع أن يعرف ماذا تكون حريته تلك، بيد أنه يعلم أنه حر. إن إرادة حرة وخاضعة ،في نفس الوقت، للقانون الأخلاقي هي –في نظر كانط – شيء واحد.
إلا أن ما توصل إليه كانط، يزعم أرثور شوبنهاور أنه يستطيع تجاوزه والكشف عن الطبيعة الحقيقية للشيء في ذاته. فهو يعتقد عن طريق حدس مباشر أنه اخترق ستار الظواهر ووجد الشيء في ذاته. وهذا الشيء في ذاته هو الإرادة؛ فالحقيقة الواقعية النهائية ،هي الإرادة، لان الذهن ما هو إلا تجل للإرادة، التي تجعل نفسها متفردة ومختلفة فيك، وفي، وفي أشخاص آخرين منفصلين، وفي أشياء عالمنا الظاهر وفقا لمبدأ العلة الكافية. إن هذه الإرادة حرة، لأنه لا شيء يمكن أن يحدها أو يقيدها، ونحن في عالم الإرادة يطابق كل منا الآخر ويطابق الطبيعة بأسرها.
أما فريديريك نيتشه، الذي تأثر كثيرا بأفكار شوبنهاور- خصوصا في بداياته الأولى- فقد رفض الأحكام الأخلاقية النابعة من التعاليم المسيحية، معتبرا أنها سيئة وأنها أكدت، تأكيدا زائفا على الحب والشفقة والتعاطف، وأطاحت ،في المقابل، بالمثل والقيم اليونانية القديمة التي اعتبرها أكثر صدقا وأكثر تناسبا مع الإنسان الأعلى. فهذه الأخلاق – بالمعنى الأول – مفسدة تماما للإنسان الحديث الذي يجب أن يكون "روحا حرة" ويتبث وجوده ويعتمد على نفسه ويستجيب لإرادته. لقد ظل نيتشه، بوجه عام، يعتقد بان الحقيقة القصوى للعالم هي الإرادة، ومثله الأعلى الأخلاقي والاجتماعي هو " الرجل الأوربي" الجيد، الموهوب بروح حرة، والذي يتحرى الحقيقة بلا خوف، ويكشف عن الادعاءات الكاذبة والخرافات، ولذلك نجده قد أهدى كتابه "إنساني مفرط في الإنسانية" إلى ذكرى فولتير الذي رأى فيه نموذج الروح الحرة التي لا تقيدها عادات، ولا تسلك إلا وفق إرادتها الحرة. يقول صاحب " هكذا تكلم زاردشت" على لسان هذا الأخير: " حرا تسمي نفسك، أريد أن أسمع هاجسك المسيطر، لا أن تقول لي بأنك قد خلعت النير عن كاهلك، وهل أنت ممن يستحق أن يخلع النير عن كاهله، لأنهم كثر أولائك الذين فقدوا أي قيمة لهم عندما تحرروا من عبوديتهم".
من جهة أخرى، عمل ألكسيس دوطوكفيل على تتبع علاقة الحرية بالإرادة، في ظل مجتمع ديمقراطي ( المجتمع الأمريكي من خلال كتابه: الديمقراطية في أمريكا)، فتوصل إلى استنتاج في شكل سؤال نبلوره على الشكل التالي: هل تعني المساواة في الحقوق السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية... تحرر الإنسان وحصوله على حريته النابعة من إرادته؟
يعتبر دوطوكفيل أن المساواة تفضي إلى اتجاهين اثنين: إما الاستقلال المباشر للأفراد والذي قد تنجم عنه حالات من الفوضى، وإما أن يجد الأفراد أنفسهم –بعد مدة طويلة ورتيبة لكنها آمنة – يتجهون نحو العبودية، والتي هي عبودية لا تدرك بسهولة، ولكنها تعاش.
وقبل أن نترك دوطوكفيل الذي يعد مونتسكيو الثاني، لابأس أن نورد تعبيرا مجازيا له يشبه فيه الحرية بالهواء، يقول: " يظهر لي أن الحرية تشغل في عالم السياسة الموقع الذي يشغله الهواء في العالم" بمعنى أن الحرية هي هواء نتنفسه، وغيابها نحس به مثلما نحس بالاختناق عند نقص الهواء.
3. الحرية والقانون:
لما كان الإنسان قد ولد وله الحق الكامل في الحرية والتمتع بلا قيود بجميع حقوق ومزايا قانون الطبيعة ، في مساواة مع أي شخص آخر، فإن له بالطبيعة الحق، ليس في المحافظة على حريته هذه فحسب، بل أيضا في أن يحاكم الآخرين، إن هم قاموا بخرق هذا القانون ومعاقبتهم بما يعتقد أن جريمتهم تستحقه من عقاب. من هنا وُجد المجتمع السياسي، حيث تنازل كل فرد عن سلطته الطبيعية وسلمها إلى المجتمع في جميع الحالات التي لا ينكر عليه فيها حق الالتجاء إلى القانون الذي يضعه المجتمع لحمايته.
هكذا، وبعد أن كان الأفراد يحكمون على أفعالهم وسلوكاتهم حكما شخصيا، أصبح المجتمع هو الحكم الذي يحكم على أساس قواعد قائمة- قانون- تطبق على جميع الأطراف، فصرنا نتحدث منذئذ عن الحرية في إطار المسؤولية، أو عن الحرية المقننة، أي الخاضعة لترسانة من القوانين التي تبين الحدود التي لا ينبغي تجاوزها والمسالك التي يمكن للفرد أن يسلك وفقها، لذلك يحق لنا أن نتساءل:
- هل بإمكاننا الجمع بين الحرية، بما هي إرادة واختيار، والقانون، بما هو إلزام؟
- كيف نستسيغ أن يفقد الإنسان راضيا حريته المطلقة، ويقبل الخضوع لحكم القانون؟
- ثم ألا يمكن أن يعثر الإنسان داخل الحرية المقننة، على ما هو أفضل له من العيش داخل الحرية المطلقة؟
لا يعول صاحب " اللوفياتان" ، توماس هوبس، كثيرا على القانون، فهو يعتقد أن كينونة الحرية في الإنسان هي الدافع أساسي لإعمال حريته وليس القانون، مضيفا أنه إذا لم يكن الإنسان حرا بحق وحقيقة، فليس هناك موضع للإدعاء بأن هذا الإنسان يكون حرا فقط عندما يكون تحت نظام قانوني معين... إذ تبقى الحرية عند هوبس نصا يمتلك معنى واسعا، ولكنه مشروط بعدم وجود موانع لإحراز ما يرغب فيه الإنسان، فالإرادة أو الرغبة لوحدها لا تكفي لإطلاق معنى الحرية. وهوبس كغيره من رواد الفكر السياسي الغربي، يؤمن بأن حرية الإنسان تنتهي عند حرية الآخرين، فقد رفض الحرية الزائدة غير المقيدة، إذ أكد بأن الحرية ليست الحرية الحقيقية لأنها خارجة عن السيطرة، بالأحرى سيكون الإنسان مستعبدا من خلال سيادة حالة من الخوف المطرد المستمر. إن المصالح الشخصية الخاصة وحتى الحياة نفسها ستكون عرضة للرعب والذعر، من قبل الآخرين أثناء إعمالهم لحرياتهم. فالحرية المطلقة تقود إلى فقدان مطلق للحرية الحقيقية.
غير بعيد عما توصل إليه هوبس، يعرف مونتسكيو الحرية بقوله: " أن يقدر المرء على أن يعمل ما ينبغي عليه أن يريد، وألا يكره على عمل ما لا ينبغي أن يريد". هي الحق في أن يعمل المرء ما تجيزه القوانين العادلة، فإذا كان للمواطن أن يعمل ما ينهى عنه، كان لغيره نفس هذا الحق، فتتلاشى الحرية. يربط مونتسكيو إذن الحرية بالقانون، وهو ربط نابع من خلفيته القانونية، بحكم أنه مؤلف كتاب " روح القوانين" الذي كان له تأثير غير قليل في تطور دستور فرنسا، وقد اشتهر عنه قوله، أن المملكة التي توجدها الحرب، تحتاج إلى حرب لتحافظ على كيانها. فالحرية بهذا المعنى ستظل محافظة على تعريفها القديم المتمثل في أن يفعل الإنسان ما يشاء وأن يستجيب لنداءاته الداخلية الحرة، مع تذكيره بدون انقطاع بألا يخرج فعله هذا عن الإطار القانوني للدولة. ان موقف مونتسكيو هذا سيلاقي دعما ومساندة من طرف بنيامين كونستانت الذي يعتبر بأن الحرية هي الاستمتاع الهادئ بالاستقلال الفردي، فالكل يحلم بحرية هادئة بعيدة عن المصاعب والمشاق، لكن المصاعب هي جزء من الحياة وتكوينها، لأننا لا نعرف قيمة الحرية إذا لم نضعها فوق المحك، وكونستانت وضع بالفعل حريته في المحك، حينما نفاه نابليون بونابرت أحد عشر عاما، جراء معارضته لتصرفاته. فهو رغم إشادته بوجود قانون ينظم العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع، رفض أن يصبح هذا القانون نفسه أداة في يد واحدة، تتصرف فيه وفق ميولاتها ونزواتها الخاصة دونما اكتراث بمطالب وآراء أفراد الشعب أو من ينوب عنهم.
أما المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي، فلن يتناول مفهوم الحرية بشكل نظري صرف، بل سيحاول البحث عن تجليات وتمظهرات هذا المفهوم داخل المجتمع وداخل الحياة السياسية، مميزا بين الأشكال التقليدية التي كانت تسمح بنوع محدود من التحرر بفعل الحواجز التي كانت تجابه بها الفرد أينما حل وارتحل، والتي هي من نوع عائلي أو طائفي أو قانوني أو شرعي، وإذا حاول تخطي أي من هذه الحواجز، واجه صراعا قلما يخرج منه سالما مع ممثلي كل نوع من أنواع الحواجز المذكورة. أما الأشكال الحديثة للفعل الحر فهي تتخذ طابع عملية تحرير مستمرة تدخل في صراعات متعددة مع كل الهيئات التي تمثل القانون، ينتج عنه تقلص أو تمدد لحرية الفرد. فالحرية حسب العروي مرتبطة أشد ما يكون الارتباط بمستوى تقدم الطبقة أو المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد. من جهة أخرى يعتبر صاحب " مفهوم العقل" أن الحديث عن الحرية لا يستقيم خارج إطار الدولة التي تنصب نفسها كضامن لحريات أفرادها، وهي نقطة يلتقي فيها مع هيغل الذي اعتبر الدولة أداة لعقلنة المجتمع وإحدى أبرز تجليات تحقق العقل في التاريخ.
وفي ارتباط بالممارسة السياسية، التي يتجسد فيها مفهوم الحرية بشكل أوضح، تحاول حنا أردنت تأسيس الحرية، في إطار قانوني ينظم العلاقات بين الحاكم والمحكومين وتجنب الخوض في هذا المفهوم باعتباره مسألة باطنية. ذلك أن اعتبار الحرية حقا يشترك فيه جميع الناس، يفترض توفر نظام سياسي وقوانين ينظمان هذه الحرية، ويحددان مجال تعايش الحريات. أما الحديث عن حرية داخلية، فهو حديث ملتبس وغير واضح. إن الحرية، حسب أرندت، مجالها الحقيقي والوحيد هو المجال السياسي، لما يوفره من إمكانات الفعل والكلام، والحرية بطبعها لا تمارس بشكل فعلي وملموس، إلا عندما يحتك الفرد بالآخرين، إن على مستوى التنقل أو التعبير أو غيرها، فتلك هي إذن الحرية الحقيقية والفعلية في اعتقاد صاحبة " وضع الإنسان المعاصر".
خاتمة:
يبدو لنا ، من كل ما تقدم على أن مفهوم الحرية مفهوم زئبقي، كلما اعتقدنا أننا قبضنا عليه، يعود ليفلت من جديد ، فإذا كنا نتفق مع جول لكي، على أن الحرية هي القدرة على التصرف بأفكارنا وسلكها في نظام غير محتوم، و أنها هي الحقيقة الأولى السابقة على كل حقيقة، فإننا نتفق أكثر مع ميرلوبونتي الذي يرى بأن هناك تفاعلا مستمرا وتداخلا متصلا، بين الذات التي تتصرف من جهة وبين المواقف – أو الظروف- التي تجد نفسها إزاءها من جهة أخرى. وقد يستحيل في بعض الأحيان أن نحد نصيب الحرية ونصيب الظروف في كل فعل من الأفعال التي تقوم بها الذات الإنسانية. فالحرية الإنسانية، في اعتقاده كما في اعتقادنا، ليست حرية مطلقة، بل هي دائما حرية مجاهدة liberté militante .
الــفــن
مقدمة:
تحيل كلمة فن مباشرة إلى الفنون الجميلة (الرسم، الغناء، الرقص، العزف، التمثيل...). كما تستعمل الكلمة كمرادف ل"تقنية" فالفن ينطوي على "تقنيات" أو ممارسات عملية. ولهذا نسمع عبارت من قبل "الجانب الفني"، فنون الطبخ"، فنون الحرب والقتال"... ويرتبط الفن بالجمال، فالإنسان يتميز عن غيره من الكائنات بحسه الفني وذوقه الجمالي. كما أن التاريخ الإنساني هو تاريخ التحف الفنية والجمالية.
لقد تعطل التفكير الفلسفي في ماهية الفن بسبب عاملين اثنين ساهما في عدم قيام فلسفة الفن:
1- الموقف الأفلاطوني من الفنانين والشعراء.
2- الموقف الكانطي بخصوص تفوق الجمال الطبيعي على الجمال الفني.
لذلك كان يجب انتظار مجيء هيجل الذي تجاوز الطلاق الأفلاطوني بين الفلسفة والفن إذ أصبح الفن معرفة حقيقية تتضمن رسالة أو فكرة أو مبدءاً و غاية.
· فما هو العمل الفني؟ وما الذي يجعله فنيا؟
· ما علاقة الفن بالجمال؟ وما أساس الحكم الجمالي؟
· و هل للفن حقيقته وواقعه الخاص ؟ أم أن العمل الفني محاكاة للأشياء والأحاسيس والمواقف؟

مـاهــيـة الــفــن
يعتبر ميشيل هار أن التفكير في العمل الفني في ذاته والاشتغال على هذا الأثر من حيث هو كذلك، لم يبدأ إلا مع هايدغر و ميرلوبونتي الذين أعلنا عن استقلالية الأعمال الفنية وضرورة عدم اختزالها في ما تمنحه من منفعة حسية، أو الاكتفاء بالنظر إلى محتواه الفيزيائي، أو مخزونها الثقافي.
إن هذه المحاولة لم تبحث في الفن كموضوع للتفكير الميتافيزيقي المجرد، و لكنها تصورته بالأساس كنموذج للحقيقة الغامضة لوجود الإنسان وعلاقته بالعالم. وهذا ما يعني أن العمل الفني وحدة مستقلة للمعنى وللإحساس.
ينطلق هايدغر في تناوله لإشكالية العمل الفني و استبصاره لماهيته من حضور عنصر المادة داخله، فالأثر الفني هو قبل كل شيء مادة، تحمل و تنقل و تباع. يقول هايدغر: "إن الجانب الشيئي لصيق بالأثر الفني حتى إن الأثر الفني يضم فوق جانبه الشيئي جانبا آخر أيضا. هذا الآخر القائم في الأثر هو ما يشكل جانبه الفني... في الأثر يتم تأليف الشيء المصنوع مع آخر..." إذن الأثر الفني شيء مصنوع وإضافة أخرى هي التمثيل أو الرمز. وهذا ما يحددي ماهية العمل الفني.
غير أن هايدغر يمنح الشيء تعريفا خاصاً. فما هو الشيء إذن ؟ لم يكتفي هايدغر في تعريفه للشيء بما قدمته المقاربات الميتافيزيقية عندما ألحقت الشيء بالأثر دون أن تعرف ماهية هذا الشيء، ففي كتابه الدروب الموصدة يعتبر هذا الأخير أن معرفة أصل العمل الفني عملية صعبة و جد معقدة . إذ بغض النظر عن مكونات الأثر الفني التي هي أشياء يتساءل هايدغر عن من يسبق الآخر هل الأثر الفني أم الفنان ؟ فـ"من خلال العمل نعرف العامل " يقول هايدغر في أصل العمل الفني، بل إن الأثر الفني وحده من يجعل الفنان فناناً . إلا أن هايدغر سرعان ما ينتهي إلى التأكيد على أنـه إذا كان أصل العمل الفني هو الفنان ، فإن أصل الفنان هو الأثر الفني نفسه.
بعد أن يؤكد هايدغر على تعقد الظاهرة الفنية و حضور الجانب الشيئي فيه ؟ يعود هايدغر إلى التعريف بماهية الشيء؟
يقول هايدغر " الحجر المرمي على الطريق شيء القدر أو الكأس هي أشياء كذلك ؟ و عندما نضع ماءاً أو حليباً في هذه الآنية، تصبح بدورها أشياء.". من هذا المثال يستنتج أنه بإمكاننا أن ننعت السحب في السماء بالشيء و القمح في الحقل بنفس الاسم، و حتى الأوراق المتساقطة على الأرض أيام الخريف يمكن أن تعتبر أشياء. إن الشيء هو ما يلزم وجوداً ما. لذا نقول إن العمل الفني شيءً لأنه موجود. إن الشيء عند هايدغر هو كل ما يدل على الوجود و الحياة، إن الشيء يمكن أن يكون كل شيء غير العدم والإنسان، و لا يمكن أن نصف إنساناً بالشيء، فنحن غالبا ما نتردد في قول الله شيء مثلما نتردد في وصف الفلاح في حقله، و المعلم في مدرسته بالشيء.إن ما ننعته بالشيء هو كل الأشياء الموجودة في الطبيعة و التي نستعملها في حياتنا اليومية. أو نصادفها كل يوم أمامنا على صفحات الوجود.
هل يمكن أن نتفق مع هايدغر في كون العمل الفني ليس شيئاً آخر غير الأشياء التي يتكون منها؟
يرى، تلميذ هايدغر، هانز جورج غادمير أن "العمل الفني يمكن تعريفه بدقة على أساس عدم كونه شيئا قد تم إنتاجه الآن ويمكن إعادة إنتاجه مرارا وتكرارا". إن ما يميز العمل الفني هو الفرادة وعدم القابلية للتكرار. لذلك فالفن إبداع أصيل وفريد من نوعه وليس عملا. إن الفن يتميز بالخصائص التالية حسب غاديمير:
التجاوز: تجاوز العمليات العملية التي أنشأته.
التكيف: إنه إبداع متكيف بذاته.
أسلوب فهمه: يفرض نفسه باع_تباره تجليا خالصا يفهم في ذاته.

الحكم الجمالي
من أين يستمد الشيء الجميل قيمته؟
للإجابة على هذا التساؤل ينبغي العودة إلى الفلسفة الكانطية.
يمثل كتاب كانط "نقد الحكم الجمالي" دعامة قوية في بناء علم الجمال. وفي مستهله يقرر كانط أنه ليس من الممكن وضع قاعدة بموجبها يستطيع الإنسان أن يتعرف على جمال شيء ما، ولهذا فإن الحكم على الجمال حكم ذاتي، وهو يتغير من شخص إلى آخر ولهذا فإنه يختلف عن الحكم المنطقي القائم على التصورات العقلية. ومن هنا فالحكم ا لمتعلق بالذوق لا يمكن أن يدعي الموضوعية ولا الكلية. ورغم ذلك ، فمن الممكن أن تتصف أحكام الذوق بصفة الكلية (الكوني) لأن الشروط الذاتية لملكة الحكم واحدة عند كل الناس. لهذا عرف كانط الجمال بـأنه "قانون بدون قانون". وفي معرض حديثه عن الفن يقول كانط :"إن الفن ليس تمثيلا لشيء جميل بقدر ما هو تمثيل جميل لشيء ما".
وقد جادل كانط قائلا: "إن حكم الجمال أو الذوق ينبغي أن يكون شيئا عاما وصادقا بالضرورة بالنسبة لكل البشر، لأن الأساس الخاص به لابد أن يكون متطابقا لدى جميع البشر". لكنه أشار أيضا إلى أن المعرفة هي فقط القابلة للتوصيل، ومن ثم فإن الشيء الوحيد أو الجانب الوحيد في التجربة الذي يمكن أن نفترض أنه مشترك أو عام بين جميع البشر، هو الشكل، وليس الإحساسات بالتمثيلات العقلية. بالإضافة إلى ذلك، نظر كانط إلى "الجميل" على أنه رمز للخير، كما أنه تصور النشاط الجمالي باعتباره نوعا من اللعب الحر للخيال. وتعد المتعة الخاصة بالجميل والجليل متعة خاصة بالملكات المعرفية الخاصة بالخيال والحكم، عندما تتحرر من خضوعهما للعقل والفهم، أي تتحرر من قيود الخطاب المنطقي. إن الحكم التأملي لا يستمد - كما أشار كانط - من الخارج، لأنه حينئذ سيكون حكما محددا أو معينا أو حتميا أو طبيعيا، إنه ينتمي أكثر إلى مملكة الذات والوجدان والشعور، واليهما ينتمي كذلك الحكم الجمالي.
والفن الجميل في رأي كانط هو فن العبقرية، والعبقرية هي موهبة (أو هبة طبيعية) تمنح القاعدة (أو القانون) للفن. والموهبة ملكة فطرية خاصة بالفنان وتنتمي بذاتها إلى الطبيعة. ومن ثم فإن العبقرية هي استعداد عقلي فطري تقوم من خلالها الطبيعة بإعطاء القاعدة أو القانون للفن. ويقول كانط: "إن الجمال الطبيعي شيء جميل، في حين أن الجمال الفني تصوير جميل لشيء ما". والذوق في رأيه ليس ملكة خلق أو إبداع، بل هو ملكة حكم فقط، وان ما بلائم الذوق لا يكون بالضرورة "عملا فنيا"، وإنما قد يكون مجرد أثر صناعي، أو نتاج نفعي أو عمل آلي ميكانيكي صرف.
ويخلص كانط إلى ضرورة اتحاد الذوق والعبقرية في العمل الفني، مادام من الضروري أن يتوافر كل من "الحكم والمخيلة" في الفن. فالفنان العبقري يحتاج إلى ملكات أربع هي: المخيلة والفهم والروح والذوق.
في مقابل الطرح الكانطي، ينتصب كريستيان دولكمبان للدفاع عن أطروحة مختلفة مفادها أن العمل الفني يستمد قيمته من قدرته على توجيه النفكير الإنساني نحو شيء معين. يقول: " إن الأهمية الحقيقية للعمل الفني لا تقاس بقيمته التجارية، ولا بعدد الأقمصة أو البطائق البريدية التي تشهر، بل تقاس بقدرته على جعلنا نفكر في شيء معين، ما كان بإمكاننا أن ندركه لولا هذا العمل الفني".

الـفـن والـواقـع
هل يمثل الفن إعادة إنتاج للواقع أم تجاوزا لهذا الواقع؟
يرى أفلاطون أن الفن استنساخ للواقع ومحاكاة له. ومن هذا المنطلق فإن قيمته مبتذلة، لأنه ليس إلا تقليدا لعالم هو في حد ذاته مستنسخ. بمعنى آخر: إذا كانت المحسوسات صورا مزيفة لعالم للمثل، فإن العمل الفني تقليد لما هو مقلد أصلا. وبما أن الحقيقة السامية والمطلقة لا تتاح إلا بالارتباط بعالم المثل، فإن العمل الفني يبعد الناس عن الحقيقة. لقد كان أفلاطون يتصور أن ما يحط من قدر الفن، ويقلل من قيمة العمل الشعري، هو كونه يعتمد المحاكاة، مما يبعده كل البعد عن الحقيقة. يقول أفلاطون : "فإذا ما نزعت عن الشعر قالبه الشعري، فلا شك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته، عندما يتحول إلى نثر". لهذا السبب طرد أفلاطون مكانا للفنانين والشعراء في مدينته. كان أفلاطون يستخدم فكرة المحاكاة كأداة، غير دقيقة، لنقد الفن وهدم أسسه، من وجهة نظر فلسفية مثالية، تتغنى بالجمال وبالجميل، ظاهريا، وتستبعده بكيفية نـهائية من الحياة الواقعية للناس، وليس كمبدأ لتفسير ظاهرة الفن وإظهار طبيعة العمل الشعري والفني .
أما أرسطو، فينطلق في تحليله ودراسته للظاهرة الشعرية والفنية، من التأكيد على أن الفعالية الشعرية والفنية، لدى المبدعين عموما، تتعلق أساسا بالمحاكاة، وتختلف الأعمال والمبدعات الفنية والشعرية، بعد ذلك، تبعا للأنحاء التي تكون بـها المحاكاة، وهي إما ترجع إلى الوسائل أو الموضوعات أو الأسلوب والشكل الفني. والمحاكاة في استعمال أرسطو، هي بالإضافة إلى كونـها مبدأ سببيا للشعر والفن، فهي أيضا، وقبل ذلك، مبدأ غريزي في الإنسان، يرتبط به تهيؤ الإنسان لتقبل المعارف الأولية، كما يرتبط به الشعور باللذة الناجمة عن حصول المعرفة والتعلم لدى الإنسان. إن مفهوم أرسطو للمحاكاة، لا يقف عند مجرد كونه أداة خارجية لمقاربة العمل الفني ونقد فعالية الإبداع الشعري والحكم عليها، انطلاقا مما هو بعيد عنها، كما فعل أفلاطون بالضبط، بل لقد أصبحت المحاكاة، هنا، مع أرسطو هي جوهر العمل الشعري والفني، الذي يتوقف على فهمها وتحديدها، فهمنا وإدراكنا للفعالية الخالقة والمبدعة، بكل عناصرها ومكوناتـها.
في المقابل يرى هيغل أن الفن يتجاوز المحاكاة ويرتفع بالكائنات الطبيعية والحسية إلى المستوى المثالي، ويكسبها طابعا كليا حين يخلصها من الجوانب العرضية والمؤقتة، فالفن يرد الواقعي إلى المثالية ويرتفع به إلى الروحانية، والفكرة إذا تشكلت تشكلا دالا على تصورها العقلي تتحول إلى مثال.
أما حسب رأي "شوبنهاور" فان كل ما يعرفه الإنسان يكمن داخل وعيه، هذا على الرغم مما قد يفترض من وجود ذات عارفة، وثوابت خالدة، خلف هذا التدفق للخبرة. فالتحليل البسيط يكشف لنا عن أن الذات هي لاشيء دون وعي، وأن المادة لاشيء دون أحداث يتلو بعضها بعضا خلال الزمن، وأن ما يجعل هذين المفهومين (الذات والمادة) يكتسبان الحياة، ويصبحان مفعمين بالمعنى هو تلك القوة الكونية التي تبث الحياة فيهما، والتي يطلق عليها "شوبنهور" اسم "الإرادة"، إنها الشيء في ذاته، إنها ليست الذات القائمة بالإدراك، ولا المادة المدركة، لكنها الشيء الذي يتجلى كل من الذات والإرادة من خلاله. والجانب الجمالي في رأيه "ظاهرة من ظواهر الذهن" تعتمد على الخصائص المميزة للفرد الذي يدركها، لكنها ظاهرة تكون لافتة في اكتمالها وتوافقها، والفن محرر أو مطهر للعقل، فهو يسمو بنا إلى لحظة تعلو على قيود الرغبة، وتتجاوز حدود الإشباع. والرغبة والإشباع من الشروط الملازمة والمألوفة في الحياة العادية. فمن خلال الفن تجد الإرادة الإنسانية، التي لا تهدأ ولا يقر لها قرار، حالة مؤقتة من الهدوء. يشير "شوبنهور" كذلك إلى أن المتلقي ينبغي له أن يصغي أولا إلى الحكمة العميقة التي تبوح له بها الأعمال الفنية، إنه ينبغي أن يستمع إلى حديث العمل الفني إليه، قبل أن يتحدث هو إليه. فالاستمتاع الجمالي إذن حالة مشاركة، أو تعاون بين العمل الفني والمتلقي. هذا هو الشرط الأساسي لحدوث الأثر الجمالي، ومن ثم هو أيضا القانون الجوهري فيما يتعلق بالاستمتاع بكل الفنون الجميلة. أفضل ما في الفنون. تلك الجوانب فائقة الروحانية فيها، وبحيث إنها تمنح نفسها للحواس على نحو مباشر، إنها يجب أن تولد أو تحدث في خيال المتلقي، ورغم كونها تولد أو تنتج أولا من خلال العمل الفن
الـتـبـادل
تقديم:
يتلخص مبدأ التبادل إعطاء شيء مقابل شيء آخر قد يكون مكافئا أو غير مكافئ له، فهو إذن عطاء وأخذ أو أخذ وعطاء، وليس هناك تبادل بالعطاء فقط أو بالأخذ فقط، فالسرقة والسلب ليسا تبادلاً فهما أخذ فقط، وكذلك التبرع والتصدق وتقديم المساعدة ... وينطبق الأمر كذلك على كل إجبار على العطاء دون الأخذ أو العكس.
إن التبادل من أهم آليات تشكل البنيات نتيجة مشاركة بنيتين أو أكثر في الأخذ والعطاء، فالتبادل هو الذي ينشئ التجاذب وبالتالي الترابط ضمن بنية واحدة . أن ما معي يجذبك لكي تأخذه وتضمه إليك وكذلك ما هو معك يجذبني لكي أخذه وهذا ينشئ قوى تؤدي إلى إجراء التبادل، وبعد إجراء التبادل ينتفي التجاذب إلا إذا كانت هناك قوى لتبادل جديد، فتكرار الأخذ والعطاء لا بد منه لاستمرار التجاذب.
و لا يقتصر التبادل على تبادل الخيرات أو المنافع المادية بل يتعداه إلى تبادل رمزي للأفكار والمعتقدات وأنماط السلوك...
ويمكن القول إن التبادل المادي يتضمن تبادلا رمزيا لأن كل سلعة تكون موضوعا للتبادل تحمل في طياتها علة ومنطق ورؤية صانعها.
· فما هي أسس التبادل؟
· ما العلاقة بين التبادل والمجتمع؟
· لماذا لا يكتفي الإنسان بالتبادل المادي فحسب؟


التبادل خاصية إنسانية صرف
لماذا يتبادل الإنسان و لا تتبادل الحيوانات؟
يقول أدم سميث: (لم نر قط كلبين "يتفاوضان" في أمر اقتسام قطعة عظم. لم نر أبدا أن حيوانا يحاول "إفهام" حيوان مثله، مستخدما صوته أو حركات جسمه، فيقول له: "هذا لي، وهذا لك، سأعطيك مالي مقابل أن تعطيني ما لك...)
ينطلق أدم سميث من هذه الملاحظة المقارنة بين الإنسان والحيوان ليخلص إلى أن التبادل خاصية إنسانية بامتياز، لأن التبادل يستلزم الحوار واللغة والتفاوض والتفكير في الأحجام والقياسات والمعادلات... وكل هذا مرتبط بالفكر والعقل. والحيوانات لا تستطيع مجاراة الإنسان في هذا المجال.
وبما أن التبادل خاصية إنسانية، فإنه لا يتأسس على العاطفة أو الشفقة أو الرحم... بل يتأسس على مبدأ العطاء والأخذ. فكون الإنسان اجتماعيا، يعني الدخول في علاقات مع الآخرين و تبادل المنافع معهم. وإذا ما اعتمد الإنسان فقط على مساعدة الآخرين وعنايتهم به، فإنه لن يضمن إشباع حاجياته باستمرار. لذلك يستحسن أن يقدم الفرد للآخرين خدماته لقاء الحصول على خدماتهم. وبهذه الطريقة يتأسس التبادل على مبدأ الخدمات المتبادلة على أساس إشباع الاحتياجات المتبادلة.
يقول سميث: ("أعطيني ما أحتاجه منك، وسأعطيك أنت ما تحتاجه مني". بهذه الطريقة يتم الحصول على الجزء الأكبر من هذه الخدمات النافعة والضرورية بين الناس).
بيد أن ماركس يرى أن التبادل يتم على أساس مبادلة القيمة الاستعمالية بالقيمة التبادلية للخيرات. فالنجار ليس بحاجة لكل تلك الأبواب التي يخرجها للوجود بعمله. إنه بحاجة إلى خيرات وسلع من نوع آخر. أي أن الأبواب التي يصنعها لا تمثل بالنسبة إليه قيمة استعمالية، بل تمثل قيمة استعمالية عند آخرين (سباك، بقال، موظف...). لذلك يبحث الآخرون عن القيم الاستعمالية للأشياء و يبادلونها بالقيم التبادلية للأشياء التي ينتجونها.
لقد شكل التبادل أساس القيم الإنسانية منذ بداية الحياة الاجتماعية. ف"لكل شيء ثمن وكل شيء يشترى" كما قال نيتشه.

التبادل والروابط الاجتماعية
كيف يعمل التبادل على تأسيس الروابط الاجتماعية؟

يرى كلود ليفي ستراوس أن التبادل أو التواصل داخل كل مجتمع يجري على ثلاثة مستويات:
- مستوى القرابة: من خلال الزواج
- مستوى الاقتصاد: من خلال المبادلات التجارية والنقدية
- مستوى الرموز: من خلال اللغة والآثار الأدبية والفنية
إن الدافع للمبادلة بين البشر هو أن قدرات البشر المختلفة والظروف المختلفة لا تسمح لهم بالحصول على كافة حاجاتهم بسهولة متساوية، (أرسطو، ابن خلدون)، فإنتاج السلع والخدمات، أو توفرها، غير متساو لدى البشر، فالإنسان الذي يسهل عليه الإنتاج الزراعي يمكن أن يصعب عليه الإنتاج الصناعي ، فلكل إنسان قدراته وظروفه التي تؤهله أو تسمح له بإنتاج أو امتلاك سلع أو خدمات دون أخرى، وكذلك الجماعات والدول لكل منها قدراتها وظروفها التي تحدد إنتاجها وامتلاكها للسلع والخدمات، وهذا ما يستدعي الحاجة للمبادلة فيما بينهم. ويجب لكي تجري مبادلة أن تختلف شدة الحاجة إلى السلع أو الخدمات المراد تبادلها ، بالإضافة إلى اختلاف الكم المتوفر منها، فتوفر الهواء أو الماء المتاح للجميع مع أن الجميع بحاجة إليهما لا يستدعي إجراء مبادلة عليهما، وكذلك إذا كان لدي نقود ولديك أيضاً نقود ونحن معاً بحاجة إلى طعام، فلن تجري مبادلة بيننا.
كان التبادل قبل ظهور السوق مجرد إنتاج عائلي وعطاء متبادل وإعادة توزيع. لكن مع تطور الإنسان ظهر السوق بوصفه نظام توزيع وتبادل ونمت معه أنماط التبادل التجاري التي جلبت معها التحضر والأخلاق المهذبة والسلام والوئام حتى بين الشعوب المتباعدة والمتنافرة لاسيما في حوض البحر الأبيض المتوسط. يقول مونتسكيو : "إن الأثر الطبيعي للتجارة هو الوصول إلى السلام. فأمتان تتفاوضان فيما بينهما، هما أمتان ترتبطان برباط متبادل...". لكن الحديث عن التبادل لا يكتمل دون الحديث عن النقود ودورها الأساسي في عملية التبادل.
يرى ماركس أن النقود لعبت دورا حاسما في تاريخ التبادل. لقد كان التبادل يتم بواسطة المقايضة قبل ظهور النقود، أي أن طرفي التبادل يدخلان إلى السوق فيتبادلان سلعتين مختلفتين في نفس الآن. أي أن الأخذ والعطاء يتمان في لحظة واحدة. بيد أنه مع ظهور النقود أصبح من الممكن مبادلة السلعة بمقبلها النقدي، وتأجيل الحصول على المقابل السلعي إلى ما بعد. وهذا ما، مكن حسب تحليلات ماركس، من تجاوز العلاقة: سلعة – نقود – سلعة (البيع من أجل الشراء)وبروز العلاقة: نقود – سلعة – نقود (الشراء من أجل البيع). العلاقة الأخيرة ساهمت في تراكم رأس المال، وظهور نمط الإنتاج الرأسمالي.
التبادل الرمزي: الهبة نموذجا
تستعمل مفردات الهبة والهدية والعطية والصدقة في نفس المعنى لأنها تتضمن كلها معنى العطاء والمنحة. لكنها هذه المفرادات تختلف من حيث الدلالة اللغوية:
· فالهدية هي الشيء الذي يحمله يمنحه الإنسان للغير إكراماً له وإجلالاً. إنها تتضمن معنى المنح والحمل.
· وأما الهبة فهي منح من دون حمل. إنها في الأصل تمليك، ويُقصَد بها تمليكُ الغيرِ المالَ الذي يملكه الواهب على سبيل المعروف والإحسان.
· وأما بالنسبة للعطية: فهي عطاء مع وقف التنفيذ إلى حين وفاة الشخص الذي أعطاها. فالعطية تكون لما بعد الموت.
· وأما الصدقة: فهي منح أو عطاء يبتغي من وراءه صاحبه أجرا معنويا في العالم الآخر.
تمنح الهبة والهدية وحتى العطية نسبيا بغرض كسب القلوب والتعاطف والمودة، أما الصدقة فيبتغى بها تحقيق المكاسب المعنوية في العالم الآخر حسب المعتقدات الدينية.
فما هي وظيفة الهبة في التبادل الرمزي؟
في دراسته لنظام البوتلاتش، و هي دراسة لمارسيل موس عن بعض قبائل الهنود الحمر التي تعيش في الجزء الشمالي الغربي من أمريكا، وهذه القبائل هي : الكيوكتيل، الهايدا، والتسمشيان، لاحظ أن النظام الاجتماعي يرتكز في أساسه على أن يقوم الشخص من ذوي المكانة والمركز الاجتماعي في هذه القبائل بتوزيع نوع معين من الأغطية الصوفية على الضيوف في حفل رسمي كبير. وبعد فترة من الزمن يرد الضيوف هذه الأغطية في حفل رسمي كبير أيضاً بعد إضافة أعداد أخرى كبيرة منها قد تصل إلى أضعاف ما أخذوه منه في الأصل .وهذا التبادل الذي يتم بين أفراد المجموعة يصاحبه دائماً بعض الطقوس والشعائر. وفي هذه المجتمعات تتضمن الهبات نوعا من الإلزام حيث يتوجب على الموهوب له أن يرد الهبة وبأحسن منها. والامتناع عن القيام بهذا السلوك قد يزعزع المركز الاجتماعي للشخص ويقلل من هيبته ومكانته.
فهذه الطقوس تعمل على حفظ حقوق أطراف العلاقة في الأخذ والرد ولذلك فإنها تحقق الاستقرار وتدعم أواصر العلاقات داخل مجتمع القبيلة. بالإضافة إلى أن هذا النظام الشعائري يهدف إلى اكتساب المزيد من الشرف والسمعة الطيبة وذيوع الصيت عن طريق المنح والإعطاء والمبالغة في الرد والدليل على ذلك أن الشخص كثيراً ما يلجأ إلى إحراق هذه الأغطية ذات القيمة الاجتماعية العالية وأحياناً أخرى قد يحرق بعض ممتلكاته ليدلل على استهانته بالأشياء المادية ويدعو غيره من الأشخاص الذين يحضرون حفل البوتلاتش إلى مجاراته في أعماله .كلما أحرق أو أتلف الشخص هذه السلع المادية كلما ارتفعت مكانته في المجتمع. وهذا هو نسق العطية.
أن نظام البوتلاتش يساعد على إشباع الحاجة التي يشعر بها الشخص للحصول على المزيد من السمعة وذيوع الصيت. فهو نظام شعائري تدخل فيه الكثير من الطقوس التي ترتبط فيها الأنظمة الاقتصادية في المجتمعات البسيطة ارتباطا وثيقا بالأنظمة الاجتماعية. إن تبادل الهدايا في البوتلاتش يتم بشكل إرادي على الرغم من وجود صفة الإلزامية فيه، وإن عمليات التبادل لا تخلو من أبعاد اقتصادية تتمثل في وجود مفهوم القيمة في هذه التبادلاتالتي تتم بهدف الحصول على المكانة الاجتماعية والهيبة أكثر من الحصول على السلع المادي.ة إن الطقوس والشعائر التي تمارس في البوتلاتش تحافظ على الاستقرار الاجتماعي لأنها تنظم قضية الأخذ والرد وتدعم أواصر العلاقات بين القبائل في الوقت الذي تحتل العلاقة بين السلع منزلة ثانوية بالنسبة للعلاقة بين الأشخاص.
أما مالينوفسكي، في دراسته لنظام تبادل الكولا الذي يمارس في جزر التروبرياند في المحيط الهادي وفي بعض جزر واستراليا، فقد لاحظ أن الكولا نظام شعائري تتبعه بعض القبائل التي تعيش في منطقة جزر واحدة وتنتشر على شكل حلقة وتكون دائرة مغلقة للتبادل. وفي نطاق هذه الدائرة يتبادلون مجموعتين من السلع. مجموعة السولافا "المحار" ومجموعة الموالي" إسورة " وتسير السولافا في اتجاه عقارب الساعة بينما تسير الموالي في الاتجاه المعاكس ويتم تبادل هاتين السلعتين في كل نقطة من نقاط الدائرة. ويتبع ذلك حفلات ومراسيم وطقوس وسحر. ويقوم الزائر وخاصة إذا كان من ذوي المكانة الرفيعة بتقديم هداياه من النقود مثلا للشخص الذي اعتاد التبادل معه ويأخذ معه في مقابل ذلك بعض الأساور التي تهدي إليه نظير هديته في هذا الحفل الرسمي الكبير الذي أقامه أهل الجزيرة. والمشاركون في عملية التبادل هذه يستلمون الأشياء لفترة من الزمن ولكنهم لا يستطيعون أن يحتفظوا بها إلى الأبد لأنه يتوجب عليهم تمريرها في خط السير المرسوم لها كما تجري العادة. وقد يذهب الرجال في رحلات الكولا خالي الوفاض لا يحملون أي هدايا ليقدموها إلى شركائهم بل ليقدموا بذهابهم تذكرة بأن عليهم دين شرف قد آن أوان سداده . يتحقق النجاح في الكولا كما يظن من يمارسونها بإجراء طقوس سحرية لتهدئة الشريك وجعله يشعر بأنه كريم يستطيع أن ينتظر. والأسس التي يقوم عليها هذا التبادل المؤجل هو أن كل هدية تقدم يجب أن تساوي الهبة المستلمة. وهذا واجب مقدم الهبة فهو الذي يجري التقديرات. ويحدث أحيانا أن يتأخر الشخص في رد الهبة المناسبة ولذلك يتوجب عليه أن يقدم بعض الهدايا الصغيرة من حين لآخر حتى تتاح له فرصة تقديم الهبة المناسبة. والملفت فيها ما يدل على تفكير الناس في أمور الربح والكسب والمساومة. ومع أن الكولا يصحبه أحيانا نظام مقايضة تجاري ثانوي لسلع تجارية ضرورية وكذلك يصحبه تبادل هدايا وخدمات إلا أن هذا التبادل التجاري ليس هو الأساس الذي تقوم عليه الكولا. ويميز الأهالي بين الكولا والمقايضة ولذلك يعيبون أحيانا على الشخص طريقته في تبادل الكولا فيقولون أنه " يقوم بالكولا كما لو كان يقوم بعملية مقايضة " فهذه العملية ليست عملية تجارية تقوم على المساومة أو إلى حساب أو تقدير قيمة الهبة. والمبدأ الآخر هو أن العرف والتقاليد تحتم على الرجل الذي يقبل هبة من شخص آخر أن يرد إليه ما يقابل هبته ولكن لا يتعرض هذا الشخص لأي نوع من القهر أو القسر أو الضغط المادي لرد الهبة بمثلها. ويرى مالينوفكسي أن شريك الكولا يشتري المجد كما يشتري الصداقة فشركاؤه الذين يعيشون في جزر نائية يستطيع أن يعتبرهم حلفاء ويتوقع منهم الحماية. فالمكاسب الاجتماعية بما فيها الحصول على الشهرة والصيت هي الأساس في هذه العملية. فالهبات المتبادلة في هذه الحالة تؤكد الروابط الاجتماعية والهدايا لا تعطي اعتباطاً وإنما هي تقدم لمقابلة بعض الالتزامات الاجتماعية المحددة. فتبادل الهدايا والنزول عن الثروة في هذه الجزر كثيراً ما يعبر عن سمو مركز الشخص الذي يعطي عن الشخص الذي يأخذ.
إن نظام الكولا ينطوي في المقام الأول على مضمون اجتماعي أساسه توطيد أواصر الصداقة والعلاقات الطيبة بين سكان الجزر.كما أنه يحقق لأطراف التبادل الحصول على الصيت والسمعة نتيجة لتنازل الشخص عن بعض الأشياء ذات القيمة الرفيعة لأصدقائه. فصور التبادل الشعائري التي تتم في جزر التروبرياند لا يوجد فيها ما يدل على تفكير الناس في الربح أو الكسب أو النفع الشخصي بل تحيل على وجود توقعات اجتماعية والتزام اجتماعي في تبادل ورد الهدايا في هذه الجزر.
على الرغم من بساطة هذا النظام إلا أنه ينطوي على كثير من العناصر والعلاقات المتشابكة، فالمبادلة يجب أن تتم في جو تسوده الرسميات والتكلف والجد والوقار ويجب الاستعداد له بالقيام بالشعائر المختلفة لتأمين الرحلة البحرية والمسافرين من مخاطر البحر .
يتبين من خلال هاتين الدراستين أن الهبة:
1- تتجاوز التبادل المادي وتعبر عن تعاقدات والتزامات اجتماعية.
2- تؤسس علاقة تبعية الموهوب له للواهب، وتضمن التفوق الاجتماعي للواهب.
3- هي في حد ذاتها سلطة رمزية في يد الواهب (أو الزعيم) يقهر بها منافسيه
الشــغــل
تقديم:
إن الباحثين في مسألة الشغل يتحدثون تارة عن الشغل وتارة أخرى عن العمل فهل يخفي الفرق في التسمية فرقا في مضمون المفهومين؟ إن تحليلا أوليا يظهر أنه ليس هنالك أي فرق جوهري بين المفهومين "فالشغل" emploi و"العمل" travail يستخدمان على التتالي في نفس السياق وبنفس المعنى، إلا أنه يمكن الإشارة مع ذلك إلى أن كلمة شغل تستخدم بشكل واسع حين يتعلق الأمر بالنشاط الذي يقوم به الإنسان في المجتمعات المعاصرة مقابل أجر يتقاضاه عن ذلك. أما كلمة عمل فإنها تشير إضافة إلى المعنى السابق، إلى كل نشاط إنساني يدويا كان أو فكريا، مأجورا كان أو بدون مقابل مادي. وهنا يمكن أن نقول بأن الأم التي تربي أبناءها بنفسها تنجز عملا، أما المربية التي تحترف مهنة الصباغة كمورد للرزق فإنها تمارس شغلا. وكلاهما يشتغل في الواقع، إلا أن محفزات ودوافع كل منهما قد تكون مختلفة. فالشغل، بصفة عامة، نشاط يمنح من قبل المشغل لشخص مستعد لتقديم خدماته مقابل أجر معين. أما العمل فهو نشاط منتج، ولكنه ليس بالضرورة مؤدى عنه. كذلك يمكن أن نقيم تمييزا بين الشغل واللاشغل. فالشغل هو الوقت الذي يقضيه الإنسان في إنجاز عمل يتقاضى عليه أجرا أو يكون مصدر رزقه. أما اللاشغل فهو الوقت الذي يخصصه الإنسان لنفسه وأسرته وهواياته، وهو ما يدعى أيضا بالوقت الثالث أو الوقت الحر، غير أن الإنسان بصفة عامة، لا يحصل على الوقت الحر إلا بعد أن يكون قد وفى بتعهداته في العمل، أي بعد أن يكون قد تمكن من الحصول على الموارد الذي تمكنه من العيش. وبذلك يشكل الشغل أحد العوامل الأساسية التي تمكن الإنسان من تحقيق استقلاليته وتخلصه من ضغوط حاجياته البيولوجية الأولية. وبفعل تطور الحضارة الإنسانية وارتفاع مستوى معيشة الأفراد في بعض المجتمعات المعاصرة، أصبح وقت الفراغ نوعا من المنتوج الذي يرغب المأجورون في الحصول عليه بشكل متزايد.
و مهما يكن، فالشغل من الوظائف الأساسية التي تميز الإنسان عن الحيوان. فكل ما نستهلكه اليوم هو نتاج العمل الإنساني سواء تعلق الأمر بالحبوب أو الخضراوات أو الفواكه أو بالحيوانات الداجنة... إن حاجيات الإنسان ليست ذات طبيعة غذائية فقط، فله حاجيات أخرى ذات طبيعة ثقافية كما هو الأمر بالنسبة للملابس ومختلف الأجهزة والتجهيزات التي يستخدمها في حياته اليومية. فنحن نعمل من أجل تحويل الأعشاب المتوحشة إلى حبوب (قمح، ذرة، شعير) والثمار غير القابلة للاستهلاك إلى الفواكه، والحديد إلى سيارات وطائرات…إلخ. فالنشاط الاقتصادي هو كل نشاط يهدف إلى تحويل الطبيعة إلى مواد قابلة للاستهلاك من طرف الإنسان. هكذا يظهر أن الإنسان مضطر للعمل من أجل ترويض الطبيعة واستغلال خيراتها بشكل يناسبه. ولكن إذا اكتفى الإنسان بقوة يديه فقط لإنجاز هذا العمل، فإنه لن يحقق تقدما كبيرا، ومن هنا ضرورة استعانته بالتقنيات وبتقسيم العمل. إن الاختراعات التقنية وتقسيم العمل هما السبيل الحقيقي لتطور الإنسانية. فالتحديات الكبرى التي فرضتها الطبيعة على الإنسان هي التي دفعته باستمرار إلى التفكير في أفضل السبل لمقاومتها أو إخضاعها. وهكذا، فإن كل اختراع جديد هو انتصار حقيقي على الطبيعة، وتقدم في مجال السيطرة عليها وترويضها، وفي الوقت نفسه فإن الإبداع العلمي والاختراعات التقنية وتقسيم العمل هي التي أسهمت بشكل فعال في تقدم الإنسان. لكن هذه الاختراعات وذاك التقسيم جعلوا من الشغل استعبادا، ومن الآلة ضرورة حتمية قصوى.
· فلماذا يعتبر الشغل فاعلية إنسانية بامتياز؟ ولماذا يحتاج الإنسان إليه؟
· وما علاقة تقسيم الشغل بالتنظيم المجتمعي؟ وكيف يعمل هذا التقسيم على تحديد صورة الفرد داخل المجتمع؟
· وهل يمثل الشغل استعبادا للإنسان أم تحررا له؟

الشغل خاصية إنسانية صرف
بأيّ معنى يكون العمل صفة خاصّة بالإنسان؟
كانت نظرة الفلسفة اليونانية للشغل (الشغل اليدوي) نظرة احتقار واشمئزاز. وقد ظلت هذه النظرة الفلسفية السلبية للعمل حاضرة عند كل الفلاسفة الذين أتوا بعد أرسطو إلى حدود القرن الثامن عشر. ولم تتغير الوضعية بشكل جذري إلا مع هيجل الذي أعطى لمفهوم "العمل" معنى بعيدا. ففي حديثه عن "جدلية السيد والعبد"، عرف هيجل العمل باعتباره إنتاجا للإنسان بواسطة الإنسان. إن العمل هو أداة التحرير الوحيدة للإنسان. فعمل العبد هو الذي يحرره من سيطرة الطبيعة كما يحرره من سيطرة السيد فيما بعد. إن علاقات الإنسان بالطبيعة ليست علاقات معرفية فقط، ولكنها أيضا علاقات تحويل وتغيير متبادلة، فالعمل في نهاية المطاف يشتغل لصالح السيد، وهذا يعني أن العمل نشاط اجتماعي ينجزه الناس بعضهم لصالح بعض من أجل التلبية المتبادلة لحاجياتهم، إن العمل يكون بذلك اللحمة الحقيقية للعلاقات الاجتماعية.
نجد مثل هذه الفكرة عند سيرج موسكوفيتشي. فهو يعتبر أن الشغل فعل إنساني أساسي يخلق نوعين من الآثار: منتوجات وإبداعات. المنتوجات تساهم في الحفاظ على البقاء واستمرارية النوع والاستجابة للحاجيات، بينما تعمل الإبداعات على التأثير في الإنسان نفسه، وتدفعه باتجاه التفوق على الطبيعة.
من جهته، يقوم ماركس بالتمييز بين العمل الإنساني والأنشطة التي تقوم بها بعض الكائنات الأخرى (بعض الحشرات والطيور)، ويستخلص أن العمل هو أساسا فعل طرفاه الأساسيان هما الإنسان والطبيعة. ويلعب الإنسان في مواجهة الطبيعة دور قوة طبيعية، فالقوة التي يتوفر عليها الإنسان والكامنة في يديه ورجليه ورأسه تستخدم بشكل إيجابي من أجل تحقيق أهدافه، وفي نفس الوقت يؤثر بعمله هذا في الطبيعة الخارجية ويحولها. وبتحويل الطبيعة يحول طبيعته الخاصة، وينمي الملكات والقدرات الراقدة فيه. إن العمل شيء ينتمي إلى المجال الإنساني فقط، صحيح إن العنكبوت يقوم بعمليات تشبه تلك التي يقوم بها صانع الزرابي، كما أن النحلة تهش أكثر من مهندس بما تقوم به، إلا أن ما يميز ما يقوم به أسوأ مهندس وأمهر نحلة، هو أن المهندس ينجز في رأسه ما سيقوم به قبل تنفيذه.
عمل الحيوان
عمل الإنسان
منتج: ينتج المسكن
منتج: ينتج عالما من الأشياء
غريزي، فطري:
- تمليه الحاجة الجسمية والمباشرة
- اضطراري بالضرورة
عقلي، مفكر فيه:
- لا يخضع بالضرورة للحاجة الجسمية والمباشرة
- إرادي
إنتاج من صنف واحد ومتكرر
إنتاج متنوع ومختلف ومتعدد
امتداد لجسمه
حر ومستقل عنه
إن النتيجة المحصل عليها بواسطة عمل الإنسان توجد بشكل قبلي في مخيلته. إن العمل عند ماركس نشاط واع، متأمل ومقصود، فالإنسان يتمثل ويتخيل في البداية ما ينوي القيام به، وقدرته هاته على تمثل أهدافه وتنظيم حركاته وأعماله طبقا لهذه الأهداف تميز عمله عن الأنشطة الغريزية التي تقوم بها الحيوانات. وما دام عمل الإنسان ليس شيئا غريزيا فإنه يرتكز على الاهتمام والإرادة. ويركز ماركس بقوة على هذه النقطة، فالعمل في نظره ليس عفويا ولا طبيعيا، وهو لا يتطلب مجهودات عضلية فقط من أجل تحويل الطبيعة، ولكن استعدادا سيكولوجيا أيضا، حيث يقتضي الحفاظ على الإرادة الإنسانية في مستوى محدد من التوتر والانفعال المستمر. وحين يعمل الإنسان فإنه يحقق ويخرج ويموضع قدراته الخاصة، ومن ثمة فإن الشغل ليس فقط تحويلا للطبيعة ولكن أيضا تحويلا لطبيعة الإنسان نفسه.
يتحدث ماركس عن الشغل بإيجابية على ماهية الإنسان في ظل سيادة الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، أما في النظام الرأسمالي حيث تسود الملكية الفردية وحيث نظام السوق، يصبح كل شيء فيه قابل للبيع، يصبح العامل مضطرا لبيع قوته من أجل قوته، فاضطرار الإنسان إلى عرض قوته للعمل وإخضاعها للنظام السوق معناه التنازل التدريجي عن بعض مقومات كرامته مما يعني بداية التعايش مع تجربة الفقر والتهميش .
يرفض جيلبير هوتوا هذا التصور حول الشغل في المجتمعات الحديثة، ويؤكد أن الشغل، في مجتمعات كل شيء فيها يباع ويشترى"، هو القيمة المؤسسة لكل القيم:
· السعادة: العمل في المجالات الحببة عند العامل يحقق له هذه القيمة. كما يوفر أجرة أي كمية معينة من وسائل العيش تضمن الكرامة وبالتالي "السعادة المادية".
· الهوية: العمل إثبات للذات الفردية والجماعية من خلال النجاحات
· المواطنة: يكفل العمل هو الشرط لمزاولة أغلب الحقوق الاجتماعية مثل الزواج
· السلطة: يمنح العمل لصاحبه مكانة وحضوة اجتماعية.
· الحرية: العمل تحرر من التبعية للآخرين
· اللحمة الاجتماعية: داخل مؤسسات العمل تنسج علاقات اجتماعية مترابطة ومتلاحمة تكاد تشبه العلاقات العائلية.
يخلص هوتوا إلى "إن الشغل هو الذي يضفي المعنى على الحياة الفردية والجماعية".

تــقــســيـم العــمــل
إذا كان العمل خاصية إنسانية، فمن المؤكد أن هذه الخاصية لا تتم بشكل فردي بل بشكل جماعي في إطار تقسيم للعمل الاجتماعي، بدأ مع تطور الأشكال الاجتماعية البدائية، وأخذ يتعقد مع مرور الزمن. فما علاقة تقسيم الشغل بالتنظيم المجتمعي؟ وكيف يعمل على تحديد صورة الفرد في المجتمع؟
يرجع مفهوم تقسيم العمل إلى أفلاطون وأرسطو. لقد كانا ينظران الى تقسيم العمل، لا على انه وسيلة من اجل زيادة الإنتاج، وإنما كنمو لفعالية الفرد بالقدر الذي يتخصص فيه الفرد فيما يناسب طبيعته. فتقسيم العمل يتوقف على طبيعة كل فرد، ما يعنى انه تقسيم طبيعي تحكمه طبيعة كل فرد.
يبحث أفلاطون عن أصل المدينة، ويرد ذلك إلى تعدد حاجيات الإنسان التي لا يمكن أن يحققها لوحده فيفرض عليه العيش داخل جماعة من البشر. "فيعمل كل من هؤلاء (…) ما يلزم للجميع من منتوجه، فيعد الفلاح مثلا وهو أحدهم، ما يحتاج إليه أربعة أشخاص من الطعام، فيقضي في إعداد طعامهم أربعة أضعاف الوقت اللازم له لإعداد طعامه، ثم يقاسم إخوانه الثلاثة منتوجه، أم أنه يهملهم ويعمل ما يسد حاجته، فيقضي ربع وقته في إعداد ربع مقدار الطعام، ويقضي الثلاثة الأرباع الباقية من وقته في إعداد مسكنه وكسوته وحذائه، ولا يتعب نفسه في مبادلة إخوانه الحاجات بل يعمل ما يحتاج إليه بذاته لذاته؟". يقوم أفلاطون بالتعريف بالحاجيات الأساسية للإنسان. ويحددها في ثلاث حاجيات هي التغذية والسكن والملابس، ثم يضيف الأحذية. ومن أجل تلبية هذه الحاجيات على الإنسان أن يقوم بثلاث أنشطة مختلفة: تحضير الغذاء، وصناعة الملابس وبناء السكن. وكي يتم تحقيق ذلك يرى أفلاطون أن هنالك سبيلان:
· السبيل الأول: هو أن يقوم كل فرد بإنجاز هذه الأنشطة الثلاثة بالتتابع، فيقسم وقته بينها، وهذا ما يحصل فعلا في بعض المجتمعات "البدائية" حيث يقوم الإنسان بكل أنواع الأنشطة.
· السبيل الثاني: وهو المتبع في المجتمعات المتطورة ويقوم على تخصص كل فرد من أفراد المجتمع في نشاط من هذه الأنشطة، حيث يخصص لها كامل وقته وهذا هو ما يسمى بالتقسيم الاجتماعي للعمل، وهو الرأي الذي يميل إليه.
وتقسيم العمل عند أفلاطون مسألة ضرورية لثلاثة أسباب على الأقل:
1. الطبيعة لم تمنح جميع الناس نفس المهارات والكفاءات، وهذا ما يجعل الناس مكملين لبعضهم البعض.
2. الإنسان يصبح ماهرا في عمل ما إذا كان ينجزه لوحده فقط. فالتخصص يؤدي إلى المهارة وتحسين الإنتاج.
3. التخصص يجنب إضاعة الوقت عند الانتقال من عمل لآخر، وهكذا فإن كل مدينة حسب أفلاطون، يجب أن تتوفر على الأقل على ثلاثة أو أربعة أشخاص: مزارع، بناء، حائك، وإسكافي (صانع أحذية). والواقع أنه يجب إضافة تخصصات أخرى لأن المزارع لن يستطيع صنع محراثه بنفسه كما أن الحائك لن يتمكن من صنع أدوات عمله بنفسه أيضا، ومن هنا ضرورة إضافة الحداد والنجار…إلخ.
ويستفيد الجميع من تقسيم العمل فالمستعمل سيحصل على منتوج من نوعية جيدة، والمنتج سيكون مستريحا في عمله لأنه سينجز نوعا واحدا من العمل هو ذاك الذي يملك أفضل المهارات فيه.
أما أرسطو فينطلق، كأستاذه أفلاطون، من المدينة كأعلى وحدة اجتماعية وسياسية، ويرى أن وظيفتها هي توفير أسباب السعادة لأعضائها. وهذه الأسباب ذات طبيعة مادية ومعنوية، فيقوم العبيد بتحصيل الثروة الضرورية لاستمرار الأسرة، ويجعلهم أحد المكونات الأساسية لهذه الأخيرة. ويعتبر أرسطو نظام الرق نظاما طبيعيا، ويصف العبد بكونه آلة للحياة "لأن وجوده ضروري لإنجاز الأعمال الآلية المنافية لكرامة المواطن الحر. والعبد آلة "منزلية" أيضا لأنه يساعد على تدبير الحياة داخل المنزل.
من هو العبد بالنسبة لأرسطو؟ الإجابة هي أن الطبيعة هي التي تعينه، أي جملة العوامل الوراثية والبيئية والاجتماعية، والاختلاف بين الأعلى والأدنى أو بين الممتاز والرديء أمر ملاحظ، حسب أرسطو، في كل مظاهر الطبيعة: بين الإنسان والحيوان، بين الذكر والأنثى…إلخ. وكلما وجد هذا الاختلاف كان من الأفضل للجميع أن يسيطر الأقوى على الأضعف. إن الطبيعة إذن تميل إلى إيجاد التمايز بين البشر فتجعل بعضهم قليل الذكاء أقوياء البنية، وبعضهم أكفاء للحياة السياسية، وينتج عن ذلك أن البشر صنفان: صنف حر بالطبيعة وصنف عبد بالطبيعة أيضا. وفي ذلك يقول أرسطو: "إن شعوب الشمال الجليدي وأوروبا شجعان، لهذا لا يكدر عليهم أحدهم صفو حريتهم، ولكنهم عاطلون من الذكاء والمهارة والأنظمة السياسية الصالحة، لهذا فهم عاجزون عن التسلط على جيرانهم، أما الشرقيون فيمتازون بالذكاء والمهارة ولكنهم خلو من الشجاعة، ولهذا هم مغلوبون ومستعبدون إلى الأبد. وأما الشعب اليوناني فيجمع بين الميزتين: الشجاعة والذكاء. كما أن بلده متوسط الموقع، لهذا هو يحتفظ بالحرية ولو أتيحت له الفرصة لتسلط على الجميع". ومن جهة أخرى يرى أرسطو أن الأسرة بحاجة للثورة، ويمكن تحصيل الثروة بطريقتين:
· الطريقة الأولى: طبيعية وتكمن في جمع النتاج الطبيعي اللازم للحياة، وهو الأمر الذي يتم بدوره حسب ثلاثة أشكال: تربية الماشية والقنص والزراعة.
· والطريقة الثانية يسميها صناعية وتتكون من ثلاثة أنواع: التجارة البرية والبحرية، والقرض، والأجر. ويرى أن مبادلة المواد والمنتوجات تفرض على المجتمعات حين تكون هنالك قلة في بعض المواد التي تضطر لاستيرادها من الخارج، وهذا هو الأمر الذي يجعل الحاجة إلى النقود ضرورية، فهي رمز يستخدم في المبادلة. إلا أن هنالك خطرا يهدد المجتمعات بفعل استعمالها للنقود، حيث تصبح هاته وسيلة في حد ذاتها، وهو ما يؤدي بدوره إلى أن يصبح الإنتاج غاية في ذاته، لا وسيلة لإرضاء الحاجات الطبيعية، الشيء الذي يقود حتما إلى اضطراب الحياة الاجتماعية بفعل تراجع الفضيلة إلى المراتب الأخيرة وطغيان المصالح المادية.
إن أرسطو لا يعتبر العمل، والعمل اليدوي على وجه الخصوص، قيمة اجتماعية، فهو إكراه طبيعي. فللإنسان في الحياة وظيفة أساسية هي تحصيل الفضيلة، ويتم ذلك عن طريق البحث الفلسفي والاشتغال بالسياسة بأشمل معانيها، غير أن الفيلسوف والمواطن الحر بصفة عامة في حاجة إلى تلبية حاجياته الأساسية من تغذية وملبس ومسكن، ولو قام بنفسه بتحصيل ذلك، لما بقي له من الوقت ما يكفيه لممارسة وظيفته النبيلة: السياسة. من هنا ضرورة أن توجد طبقة من البشر تختص في هذه الأعمال، إلا أن هذه الطبقة من البشر لا يجب أن تكون من بين المواطنين، فيأتي دور العبيد لينجزوا الأعمال المنزلية وكل الأعمال المقترحة ويتحملوا عن المواطنين الأحرار أعباء تحصيل الرزق. فلا يجوز لمن يعملون لكسب قوتهم وقوت غيرهم أن يحسبوا في عداد المواطنين. فالمواطنون، حسب أرسطو، لا يحيون حياة أرباب الآلات والحرف، لأن مثل هذه الحياة تحط من شرف الإنسان، ولا تتفق مع الفضيلة. كما لا يجوز للمواطنين أن يشتغلوا بالزراعة، لأنهم في حاجة إلى فراغ؛ وإن كان من حقهم أن يملكوا الأرض الزراعية، أما فلاحة الأرض فتترك للعبيد من جنس آخر.
هنالك فرق كبير بين ما جاءت به الفلسفة اليونانية حول تقسيم العمل وما يدافع عنه اليوم رجال الاقتصاد والاجتماع. فأفلاطون وأرسطو لا يعيران أهمية لارتفاع الإنتاج باعتباره أحد النتائج المباشرة المترتبة عن تقسيم العمل. لذلك شاع مفهوم جديد لتقسيم العمل ابتداءا من القرن 18م، فادم سميث يعتبر أن تقسيم العمل هو منهج تولد بفعل تخصص كل فرد في مرحلة معينة أو جزء محدد من العملية الإنتاجية بدل القيام بكل العملية الإنتاجية. إن تقسيم العمل يؤدي ثلاث وظائف كبرى:
مضاعفة قدرة كل عامل .
اقتصاد واختصار الزمن.
اختراع الآلات والتي تسمح لشخص واحد القيام بعدة مهام.
تساهم هذه العوامل في زيادة إنتاج الخيرات، وتحسين نوعية الإنتاج، فعندما يتخصص العامل في أداء مهمة بسيطة يكتسب قدرة لا يمكن لغير المتخصص اكتسابها حتى لو كان طبيعيا يتمتع بمواهب عالية، لان الاختلاف في المواهب الطبيعية بين الأفراد هو اقل مما هو بين أشخاص يمارسون مهنا مختلفة. ومع أن ادم سميت أشار بوضوح إلى سلبيات تقسيم العمل وتخصص العامل في جزء بسيط من العملية الإنتاجية، والذي يقود إلى الرتابة والتشويه المعنوي والتأثير السلبي على مستوى الذكاء ، حيث يصير أداء العامل مشابها لأداء الآلة، إلا أنه ينتهي إلى أن تقسيم العمل هو نتيجة للتبادل ، وليس سبب التبادل. التبادل هو الذي فرض تقسيم العمل. فالسوق، وليس الطبيعة، هو الذي يحدد كما يحد من تقسيم العمل كما أن تراكم الرأسمال هو شرط ضرورى لتقسيم العمل.
تمت إعادة صياغة هذه النظرية من قبل دوركهايم الذي تساءل عن خصوصية المجتمعات الصناعية بالنسبة للمجتمعات الأخرى. وسّع دوركهايم المصطلح ليشمل كلّ أشكال التخصّص في شبكة الوظائف الاجتماعيّة. وبهذا مدّ معناه وحقله الدلاليّ إلى ما وراء الحيّز الاقتصاديّ البحت. وقد رأى أن أشكال تقسيم العمل ترتبط وثيقاً بأنماط التنظيم الاجتماعيّ، أو بما أسماه "التضامن"،تحدّث عن نوعين متعارضين من التضامن:
"التضامن الآليّ" المستند إلى تقسيم بسيط للعمل كالذي تعرفه المجتمعات الأقلّ تقدّماً، وهو ما يتبدّى، في صورة خاصّة، على هيئة روابط أهليّة ودمويّة ودينيّة وعصبية
و«التضامن العضويّ» الذي يسود المجتمعات الصناعيّة والمتقدّمة، ويرتكز حكماً على الفرديّة وروابط الاعتماد والتبادل التي يخلقها تمايُز وظيفيّ معقّد تنخرط فيه أعداد ضخمة من المؤسّسات.
تتصف مجتمعات التضامن الميكانيكى (الآلي) بحجم وكثافة ضعيفة، وتنظيم اجتماعي قليل الاختلاف، وقانون قمعى، ووعى جماعى يدمج الفرد جدا في المجتمع. بينما مجتمعات التضامن العضوى تتصف بحجم وكثافة عالية، ووظائف اجتماعية مختلفة جدا، وقانون تعاونى، ثم تحرر فردي.

ولم يفتْ إميل دوركهايم الإصرار على أهميّة المؤسّسات والشركات و «الروابط المهنيّة» في التوسّط بين الفرد والدولة، كما في خلق أنماط التنظيم الاقتصاديّ والأخلاقيّ التي يتطلّبها تقسيم عمل معقّد تقنيّاً واجتماعيّاً.
إن تقسيم العمل، حسب دوركهايم يؤدي إلى:
1. تطوير آليّات "التضامن العضويّ" الذي يتسبّب به العمل على حساب «التضامن الآليّ» الناجم عن علاقات القرابة والجيرة والولاءات الموروثة أو الخامّ.
2. أن المجتمع الذي يقوم على المؤسّسات وعملها هو الذي يؤدّي إلى التراكم كبديل للتبديد (تبديد طاقة الأفراد الذي تكمن أصوله في البداوة وطرق الحياة الأخرى التي لم تمسسها يد الحداثة الرأسماليّة إلاّ قليلاً وفي صورة برانيّة).
3. نشأة تقاليد مهنيّة، أو سلوكيّة، والى الافتخار الذاتيّ لدى الأفراد بالانتماء إلى هذه المهن وطرائقها والتمسّك بها والدفاع عنها.
4. البيروقراطية لأنها تعتمد أساسا عليه كمبدأ.
من جهته، يتناول جورج فريدمان موضوع تقسيم الشغل في علاقته بنظام الآلية، ويؤكد أن تعويض الآلة للعامل في أدى إلى تقليص مساهمة الإنسان في عملية الإنتاج بحيث بدأ ذكاء العامل ينفصل عن عمله. فالآلة تتكفل بالعمليات التطبيقية في معظمها، بينما يتكفل العامل بالتخيل والتصور والتخطيط وحتى العمل أيضا، أي أن العامل منقسم بين عمليات فكرية كثيرة وعمليات عضلية قليلة. إنه "سيد الآلة"، وخادمها في الوقت نفسه، "وهو مكره على المشاركة في عمليات فارغة من كل قيمة فكرية، وهي تفرض عليه بالمقابل ضغطا عصبيا... وتجعله... منشطرا بين العمل والتفكير". إن تقسيم العمل وفق نظام الآلية يحتوي على سلبيات، أهمها، أنه يعرض العامل إلى استلاب ذهني، وإلى تدهور نفسي، بل واستلاب اقتصادي من جراء البطالة التي تكون عادة نتيجة حتمية لتعميم الآلية وتطورها. كما أن بعض المصالح الفردية قد تؤدي إلى تعميق القطيعة بين العمال ورؤسائهم مما يسبب تدهور العلاقات الاجتماعية.
فهل يحرر العمل الإنسان أم يستلبه؟

الشغل بين الحرية والاستلاب
يرى سارتر أن تقسيم الشغل على الطريقة التايلورية أدى إلى استلاب الإنسان. فمن المعروف أن النزعة التايلورية ترى أن المردودية في الاقتصاد لا تقوم إلا على الزيادة في الإنتاجية بأقل من الجهد والتكاليف، وفي أسرع وقت ممكن. ومن ثمة يكون العمل المتسلسل القائم على نظام الآلية النموذج المثالي لتحقيق الأهداف الاقتصادية، لكن هذا ـ في اعتقاد سارترـ لا يمنع العامل من التحرر من أشكال الاستلاب من خلال وعي الاستعباد. وهنا نقترب مع سارتر من جدلية العبد والسيد عند هيجل [1]. إن جدلية العبد والسيد لا يمكنها أن تتحقق إلا إذا تصور العامل الحركة البسيطة التي يقوم بها في بعدها الوظيفي، أي في تكاملها مع الحركات التي يقوم بها العمال الآخرون؛ الأمر الذي يدفع بهم إلى أن يتمثلوا أنفسهم كما لو كانوا ذاتا واحدة، ومن ثمة يدرك العامل أنه لا يمكنه أن يحقق ذاته بمعزل عن الآخرين. وعلى العامل في ذات الوقت أن يتمثل فرديته كذات يجب بناؤها من الداخل من خلال عملية التكوين المستمر التي ستمكنه من مواكبة تطورات نظام الآلية.
غير أن نيتشه يعترض على كل الخطابات التمجيدية للشغل، ويؤكد "أن الشغل يستهلك قدرا هائلا من القوة العصبية التي يصرفها عن التفكير والتأمل، والحلم، والغيرة، عن الحب والكراهية... ويقد م باستمرار هدفا وضيعا يؤمن إشباعات سهلة و منتظمة". إن الشغل، بهذا المعنى يؤدي إلى عرقلة تطور العقل والرغبات على المستوى الفردي، و يمكن المجتمع من تحقيق المزيد من الأمن والاستقرار لأن الكد والتعب لا يسمحان بالتطور والانطلاق.
أما ماركس فيرى أن العمل تحول من قوة محررة للإنسان إلى نشاط مستلب في ظروف نمط الإنتاج الرأسمالي. ويقصد ماركس بمفهوم الاستلاب [2] التشويه العميق الذي يلحق العمل داخل نمط الإنتاج الرأسمالي. ففي ظل هذا النظام يصبح العامل مستغلا، ولأنه يشعر بذلك فإن العمل يتوقف عن أن يكون أحد أسباب ومظاهر وجوده (أي الإنسان) ليتحول إلى مجرد وسيلة عيش. إن العمل في ظل الظروف الرأسمالية ليس تأكيدا للكائن العامل ولكنه نفي له. ويتجسد الاستلاب في علاقة الشغل من خلال تجريد العامل من نتاج عمله الذي ليس بإمكانه مراقبته، ليصبح المنتوج، وهو التجسيد لعمل العامل، بمثابة قوة معادية تسيطر تماما على العامل باعتبار أن هذا المنتوج أصبح ملك شخص آخر هو الرأسمالي الذي باع له العامل قوة عمله، فكأن العامل في هذه العملية قد فقد حقيقته. إلا أن الاستلاب لا يهم منتوج العمل فحسب بل يهيمن على كل مراحل العمل. فالعامل ليس حر أثناء القيام بالعمل. إنه مقيد بسلوك محدد وبنشاط بدني مرسوم مسبقا، الأمر الذي يعطيه الانطباع بأنه قد انفصل عن ذاته، فعمله ليس اختياريا. إنه عمل مجبر. فهو ليس تلبية لحاجة في حد ذاته، ولكنه وسيلة لتلبية حاجيات خارج العمل، وباختصار فاستلاب العامل يرجع بالأساس لكونه يشتغل فقط ليستمر حيا. يقول ماركس وإنجلز في "بيان الحزب الشيوعي: (يعبر عن اغتراب العامل في الأشياء التي ينتجها... كالتالي:"كلما ازداد العامل إنتاجا، قل ما يتاح له للاستهلاك؛ وكلما ازدادت القيمة التي ينتجها، أصبح هو أقل قيمة؛ وكلما ازداد إنتاجه تجويدا، أصبح هو أقل تهذيبا وأكثر تشوها؛ وكلما ازداد المنتج حضارة، ازدادت همجية العامل؛ وكلما ازدادت قوة العمل أصبح العامل أكثر ضعفا؛ وكلما أظهر العامل ذكاء، انحدر في الذكاء وأصبح عبدا للطبيعة.").
[1] - يبدو للوهلة الأولى أن العبد يوجد في وضعية دونية، إلا أن هيجل يرى أنه بفضل عمله سيكون قويا ومتفوقا على سيده، وسيرتقي بذلك إلى درجة الإنسانية، وسيحصل تحول كبير على الوضعية الأولى للسيد والعبد، حيث سيصبح العبد سيد السيد. لماذا؟ لأن العبد لم يضعف أمام الخوف من الموت. إنه في هذا المستوى يتساوى مع الحيوان، الذي لا يتردد في المخاطرة بحياته من أجل حاجة حيوية، إلا أن قلق الموت الذي يواجهه العبد بتفوق يمنحه قيمة أساسية وهي تجاوز القلق وانتزاع الاعتراف من طرف الآخر. وخلافا لما يمكن أن نتوقعه، يضيف هيجل، فإن السيد في علاقته مع العبد لا يشعر بالرضى عن وضعه، لأن الاعتراف بإنسانيته يأتي من طرف شخص لا يعترف هو بإنسانيته. إضافة إلى ذلك فإن السيد يكتفي بالاستهلاك وبالتالي يقضي على نتيجة عمل العبد. أما العبد فعلى العكس، يجعله تحكمه في الأشياء مساهما في الخلق، ويتمكن بذلك من السيطرة على الطبيعة وأنسنتها وذلك عن طريق العمل، ومن ثمة ينفصل نهائيا عن العالم الحيواني ويرتقي إلى درجة الوجود الإنساني الحقيقي. ويضيف هيجل بأن العبد يضع بصمته الشخصية على الأشياء التي يصنعها وهنا يكمن الفرق بين الإنسان والحيوان. وهكذا يتمكن العبد بفضل العمل من تغيير الطبيعة الخارجية ومن تغيير طبيعته أيضا. إنه يتجاوز درجة الحيوانية ليصبح إنسانا، ويتأكد بذلك أن الإنسان لا يتوفر على طبيعة معطاة بشكل نهائي ثابت وقار. إن طبيعة الإنسان عبارة عن صيرورة متطورة، تتحول باستمرار بتحويل الإنسان للطبيعة. ويتأكد من خلال ذلك أيضا أن الوجود الحقيقي للإنسان هو الوجود التاريخي، وبأن الطبيعة الحقيقية للإنسان هي الثقافة، أي قدرته على خلق طبيعة ثانية داخل الطبيعة، إن الإنسان هو ما يفعل في الطبيعة وما يفعل بذاته. ويتبين إذن من خلال عرض جدلية العبد والسيد كما أوضحها هيجل أن العمل هو أداة التحرير الوحيدة للإنسان. فعمل العبد هو الذي يحرره من سيطرة الطبيعة كما يحرره من سيطرة السيد فيما بعد، إن علاقات الإنسان بالطبيعة ليست علاقات معرفية فقط، ولكنها أيضا وقبل كل شيء علاقات تحويل وتغيير متبادلة، فالعمل في نهاية يشتغل لصالح السيد، وهذا يعني أن العمل نشاط اجتماعي ينجزه الناس بعضهم لصالح بعض من أجل التلبية المتبادلة لحاجياتهم، إن العمل يكون بذلك اللحمة الحقيقية للعلاقات الاجتماعية.
[2] استخدم ماركس هذا المفهوم في مخطوطات 1844 التي لم تنشر إلا خمسين سنة بعد وفاته، وألهمت عددا كبيرا من الفلاسفة والمفكرين. وقد قصد كارل ماركس بمفهوم الاستلاب التشويه العميق الذي يلحق العمل داخل نمط الإنتاج الرأسمالي. ففي ظل هذا النظام يكون العامل مستغلا، ولأنه يشعر بذلك فإن العمل يتوقف عن أن يكون أحد أسباب ومظاهر وجوده (أي الإنسان) ليصبح مجرد وسيلة عيش. ولمفهوم الاستلاب الذي استخدمه ماركس معنى قانوني، حيث يعني التنازل أو البيع للآخر شيئا نملكه. كما أن النعت اللاتيني alienus، وهو مصدر الكلمة، يعني الآخر أو الأجنبي، ومن هنا استعمال كلمة الاستلاب العقلي aliénation mentale للإشارة إلى شخص لم يعد يتحكم في نفسه وسلوكه، أي شخص أجنبي عن ذات